صرخة الدبلوماسية اليائسة.. قراءة في ارتباك سلطة بورتسودان حيال مؤتمر برلين
صرخة الدبلوماسية اليائسة..
قراءة في ارتباك سلطة بورتسودان حيال مؤتمر برلين
✍🏼أحمد عثمان محمدالمبارك
تتجلى مفارقة الشرعية المتوهمة في أبهى صورها حين نتأمل الارتباك الذي وسم خطاب سلطة الأمر الواقع في بورتسودان مؤخراً، وهي التي لم تجد حرجاً في إطلاق صرخة احتجاج دبلوماسية ضد استبعادها من مؤتمر برلين الوزاري رفيع المستوى. هذا الاحتجاج الذي صاغته خارجية الجنرال البرهان يبدو في جوهره محاولة يائسة للتشبث بفتات اعتراف دولي بدأ يتلاشى، خاصة وأن هذا المؤتمر لا يمثل مجرد اجتماع عابر، بل هو التجسيد العملي والميداني لمبادئ مبادرة الرباعية التي حظيت بإجماع تجاوز الحدود الإقليمية ليصبح رؤية دولية موحدة لمستقبل السودان.
إن الغرابة التي تكتنف موقف هذه السلطة فاقدة السند والشرعية، تنبع من تناقض عميق في قيادتها، فمن غير المنطقي سياسياً أو أخلاقياً أن ترفض هذه السلطة كافة مبادرات وقف إطلاق النار وتتمترس خلف خيار الحرب، ثم تتباكى في الوقت ذاته على عدم دعوتها لمؤتمر هدفه الأساسي هو وقف الحرب وطي صفحة القتال. هذا الانفصام يذكرنا بالصورة القاتمة للجنرال الذي تلطخت يداه بدماء الشباب في ميدان الاعتصام ولم يجد غضاضة في الوقوف على ذات الميدان لتمجيد شهداء ثورة ديسمبر، في محاولة بائسة لسرقة الرمزية الثورية ممن قتلهم بدم بارد.
ألم تعلم هذه السلطة ان مؤتمر برلين ينعقد بهدف رسم خطاً فاصلاً بين عهد المبادرات الهشة وعهد التنفيذ الحازم، حيث استند في فلسفته إلى إقصاء سلطة الأمر الواقع التي تشكلت تحت ظلال البنادق، سواء كانت تلك المرتبطة بالقوات المسلحة أو الدعم السريع. وما يثير حنق سلطة بورتسودان تحديداً هو أن المؤتمر يطبق فعلياً بند استبعاد العسكريين والجماعات المتطرفة والفلول المرتبطين بالنظام البائد، ويصر على أن تقاد العملية السياسية بأيدي مدنية مستقلة تماماً عن أطراف النزاع.
لقد أدرك المجتمع الدولي، بعد تجارب مريرة في باريس ولندن، أن محاورة الجنرالات لن تقود إلا إلى مزيد من الدوران في حلقة مفرغة، ومن هنا اكتسب مؤتمر برلين أهميته الجوهرية بوضعه سقفاً زمنياً محدداً وإطاراً سياسياً لا يسمح للمعرقلين بالتحكم في مصير البلاد. إن هذا التجاوز المتعمد للبرهان وسلطته يبعث برسالة لا تقبل التأويل، مفادها أن بوصلة المستقبل اتجهت نحو إعادة الإعمار والحكم المدني، وأن الصراخ الدبلوماسي الصادر من بورتسودان ليس سوى صدى لواقع سياسي آفل، يحاول عبثاً إيقاف قطار التغيير الذي تجاوز محطتهم منذ زمن بعيد.