تهديد زاحف
التجنيد للعمل الخاص هو خطة الكيزان لمناهضة الحكومة المدنية الخطر الذي يساهم في ارتفاع معدلات الجريمة والعنف المجتمعي. وتحويل الدين إلى أداة تعبئة قتالية، مما يعني أن الكتائب لم تنسحب من الميدان، بل فرغت نفسها لأداء مهمة أكبر… لكن هل يمثل ذلك دليلاً على القوة أم على الضعف؟
أطياف
صباح محمد الحسن
تهديد زاحف
طيف أول
ما طالَ ظلمُ الطغاةِ إلا وانقصف،
فالليلُ مهما اعتدى، فالفجرُ ينتصف.
وبعد فشلها في حسم الحرب، حاولت كتائب البراء بانسحابها من المشهد العسكري ،صياغة خدعة جديدة تقوم على خطة أمنية وليست عسكرية، لا تستهدف ميدان الحرب أو هزيمة الدعم السريع، بل تسعى لتحقيق أهداف سياسية تتعلق بمرحلة ما بعد الحرب.
وشرعت الكتائب الإسلامية في تجنيد الشباب، خصوصاً من تتراوح أعمارهم بين 18 و20 عاماً، لضمّهم إلى ما يسمى بقوات العمل الخاص. الهدف الأساسي لهذه الخطة هو مناهضة الحكومة المدنية المرتقبة والعمل على إجهاض العمل الثوري. وهي ذات الخطة التي اتبعتها القيادات الإسلامية سابقاً في إنشاء كتائب الظل التي استخدمتها لاحقاً في إشعال الحرب بعد سنوات من تأسيسها.
وقد شهدت الأيام الماضية حملات تجنيد واسعة تهدف إلى استقطاب الشباب للانضمام إلى قوات العمل الخاص، في محاولة لاستخدامهم مستقبلاً في مواجهة الحكومة المدنية القادمة وإضعافها، عبر خلق قوة عقائدية موازية تعمل خارج سلطة الدولة.
والخطة لا تختصر على فكرة الإعداد المحكم لهزيمة حكومة لم تأتِ بعد، بل تصب في عملية تكوين جيش موازٍ خارج سلطة الدولة؛ فتجنيد الشباب في تشكيلات عقائدية مسلحة يعني خلق قوة عسكرية لا تخضع للقانون ولا للقيادة الرسمية. وهذا لا يمثل تهديداً للحكومة المدنية القادمة وتقويض قدرتها على فرض الأمن فحسب، بل يهدد البلاد عامة ويضعها في دائرة الخطر، بسبب تدوير العنف وإعادة إنتاج الحرب.
وتجنيد صغار السن يخلق جيلاً جديداً من المقاتلين المرتبطين أيديولوجياً بالكتائب، ما يعني أن الحرب لن تنتهي بانتهاء المعارك الحالية، بل ستتحول إلى عنف مستدام.
كما أن هذا الاتجاه بلا شك يمثل تجريفاً للمجتمع من شبابه، وهذا ما تحدثنا عنه من قبل: أن هذه الحرب قائمة على استهداف الثورة عبر تدمير الشباب، سواء بزجّهم في المعارك ورميهم في النيران، أو بجعلهم ضحايا للمخدرات.
وما تقوم به الكتائب الأمنية هو عمل ممنهج يدمّر البنية الاجتماعية، ويحوّل هؤلاء الشباب من طاقة بناء إلى وقود حرب.
وتجنيد الشباب هو تهديد زاحف ومحاولة جديدة لتغذية التطرف الديني والسياسي؛ فالكتائب العقائدية تعتمد خطاباً دينياً تعبويّاً يخلق بيئة خصبة للتطرف من جديد، ويهدد التعايش المجتمعي. وقد استهدف هذا الخطاب حتى الأطفال في المدارس، كما يقوم على بث خطاب الكراهية والقبلية والعنصرية البغيضة.
وهذا العمل الأمني الخطير يتسبب في انتشار السلاح بين الشباب، كما يخلق ميداناً جديداً للفوضى، وله آثار أخرى حتى على التعليم.
وبسبب التجنيد المبكر يمكن أن يحدث ارتفاع في معدلات الجريمة والعنف المجتمعي، إلى جانب خلق ولاءات مسلحة تتجاوز الولاء الوطني، وتحويل الدين إلى أداة تعبئة قتالية، مما يعني أن الكتائب لم تنسحب من الميدان بل فرغت نفسها لأداء مهمة أكبر.
كما أن تجنيد مئات الشباب في هذه الظروف التي تعيشها البلاد لا يتم دون تمويل وتسليح وتدريب، ما يشير إلى وجود شبكات دعم داخلية أو إقليمية.
لذلك فإن ظهور كتائب عقائدية جديدة يعني أن الحرب قد تتشظّى وتدخل أطراف إضافية. وعندما تتولى جماعات عقائدية مهمة التجنيد والتسليح في البلاد، فهذا يعني أن الدولة فقدت احتكارها للقوة، وهو أخطر مؤشر.
فهذه المحاولة المبكرة لإعادة تشكيل جبهات القوة والعنف قبل قيام الدولة المدنية تحمل مخاطر أمنية وسياسية واجتماعية عميقة، وتدلّ على أن الصراع في السودان يدخل مرحلة جديدة تتجاوز الحرب التقليدية إلى صراع على شكل الدولة نفسها
لكن عندما تبدأ الحركة الإسلامية في بناء قوة موازية قبل تشكيل الحكومة المدنية، ألا يعني هذا اعترافاً ضمنياً بفشلها وإقرارها بأنها لا تثق في قدرتها على التأثير في المرحلة القادمة عبر الوسائل السياسية؟ فهي تقوم بإعادة تشغيل مصانع العنف لأنها تدرك أنها فقدت شرعيتها الاجتماعية. فهذه ليست خطة قوة واثقة، بل خطة قوة تخشى أن تُهزم في السياسة، فتبحث عن أدوات خارج السياسة.
فالمدنية عائدة والشارع راجع
طيف أخير:
تقارير دولية: أزمة السودان تترك 35 مليون شخص بحاجة إلى المساعدات، وما زال هناك سودانيون يتاجرون في أزمة بلادهم.