إعادة تشكيل علاقات الجندر في مرحلة ما بعد الحرب: قراءة في ورقة الكاتبة رانيا جبارة
إعادة تشكيل علاقات الجندر في مرحلة ما بعد الحرب: قراءة في ورقة الكاتبة رانيا جبارة
بقلم / عمار نجم الدين
ليست الحرب في السودان مجرد حدث عسكري، بل لحظة تعرية كاملة لبنية المجتمع؛ لحظة تُسحب فيها الأقنعة عن كل ما كان مخبوءًا تحت خطاب الوطنية، والدين، والعادات. وفي قلب هذه العاصفة، لا تظهر المرأة كضحية فقط، بل كمرآة صافية تعكس شكل السلطة الحقيقي: من يملك الجسد، يملك المجتمع. فالحرب لا تخلق طباعاً جديدة، بل ترفع الستار عما استقر في القيعان. إن المركز الذي ادّعى الاستنارة طويلاً، لم يكن إلا سدنةً لهيكل قديم، يقتاتُ على تهميش الأطراف ليبقى صوته هو الصدى الوحيد.
تأتي ورقة رانيا جبارة ضمن هذا السياق، محاولةً التقاط لحظة ما بعد الحرب بوصفها فرصة لإعادة تشكيل علاقات الجندر. وكما تشير في ورقتها إلى أن “مشاركة النساء في الحرب لا تنعكس تلقائياً في مواقع السلطة بعد انتهائها”، فإنها تضع يدها على مفارقة مركزية، لكنها تترك سؤالها مفتوحاً: هل المشكلة في غياب الإرادة السياسية، أم في طبيعة البنية التي تستوعب هذه المشاركة ثم تعيد تحجيمها؟
حين تشير رانيا إلى مفارقة مشاركة النساء في الثورة وتهميشهن في الدولة، فإنها تصف العرض بدقة، لكنها لا تغوص بما يكفي في المرض نفسه. فهذه المفارقة، كما يمكن قراءتها في ضوء ما طرحه Frantz Fanon، ليست استثناءً، بل قاعدة في الدول التي ترث بنية الاستعمار دون أن تفككها. وهنا يصبح سؤال رانيا نفسه بحاجة إلى إعادة صياغة: ليس لماذا تراجعت النساء؟ بل لماذا بقيت البنية التي تضمن هذا التراجع قائمة رغم كل ما سُمّي بالتحرر. فكم من ثائرٍ هدم صرحاً ليبني في مكانه سجناً يحمل اسمه.
تتقدم رانيا خطوة أخرى حين ترصد التفاوتات الهيكلية، غير أن تحليلها لمفهوم الهيمنة يظل جزئياً. فهي تُلمّح إلى الضغوط الاجتماعية، لكنها لا تفكك آلياتها العميقة. هنا يمكن توسيع أفق سؤالها عبر ما قدمه Pierre Bourdieu حول العنف الرمزي: كيف تتحول السيطرة إلى شيء مألوف، بل ومقبول. وإذا كانت رانيا تتساءل عن عودة النساء إلى الأدوار التقليدية، فإن الإجابة لا تكمن فقط في الدولة، بل في مجتمع يُعيد إنتاج نفسه عبر اللغة والتنشئة. وتشير بعض التقديرات في السياق السوداني إلى أن معدلات الزواج المبكر في بعض المناطق تتجاوز 30%، وهو مؤشر لا يعكس فقط واقعاً اجتماعياً، بل آلية مستمرة لإعادة إنتاج نفس الأدوار. إنَّ أغلال الروح أصلبُ من أغلال الحديد.
وفي موضع آخر، تقترب رانيا من مسألة الموروث الثقافي، لكنها تتوقف قبل أن تفتح أحد أكثر الأبواب حساسية: التأويل الديني. فهي تذكر الثقافة، لكنها لا تسائل الدين بوصفه مجالاً للصراع التأويلي. هنا تبرز أهمية ما طرحته Fatema Mernissi، حيث لا يكون الإقصاء نابعاً من النصوص بقدر ما هو نتاج قراءات تاريخية منحازة. وفي السودان، ظل قانون الأحوال الشخصية—في صيغته التقليدية—يعكس هذا التداخل بين النص والتأويل، حيث تُقنّن بعض أشكال التفاوت داخل بنية قانونية تبدو “شرعية”. وإذا كانت رانيا قد أشارت إلى القيود الاجتماعية، فإن السؤال الذي يبقى خارج نصها هو: من يمنح هذه القيود شرعيتها؟
وعندما تتناول رانيا مسألة التهميش، فإنها تقدمها في مستوى عام، دون أن تتوقف عند طبيعته المركبة. فالمرأة، في السياق السوداني، لا تُقصى فقط بوصفها امرأة، بل بوصفها أيضاً منتمية إلى هامش جغرافي وثقافي. وهنا يتقاطع طرحها مع السؤال الذي صاغته Gayatri Spivak: هل يستطيع التابع أن يتكلم؟ لكن السؤال الأعمق، الذي لا تجيب عنه ورقة رانيا، هو: ماذا يحدث حين يُسمح له بالكلام… ولكن بلغة ليست لغته؟ وتشير بيانات التمثيل السياسي في السودان إلى أن نسب مشاركة النساء في بعض المؤسسات التشريعية، رغم نظام الكوتا، لم تتجاوز في فترات معينة حدود 25%، وهو رقم يعكس حضوراً عددياً لا يوازي تحولاً نوعياً في السلطة.
تُحسن رانيا كذلك في رصد التناقض بين المكاسب الدستورية، مثل نظام “الكوتا”، وبين محدودية أثرها الواقعي. غير أن هذا التناقض، كما يفرض نفسه على نصها، لا يمكن اختزاله في ضعف التطبيق. فحين تفترض رانيا أن التمثيل العددي يمكن أن يقود إلى تحول نوعي، فإنها تتجاهل سؤالاً بنيوياً: ماذا لو كانت هذه المؤسسات نفسها مصممة لإعادة إنتاج الهيمنة؟ إنَّ صلاح الورق لا يشفي سقم الواقع.
أما في سياق الحرب، فإن قراءة رانيا للعنف ضد النساء بوصفه استهدافاً تحتاج إلى دفع أبعد. فهي تضعه في إطار الانتهاك، لكنها لا تضعه بما يكفي في إطار الوظيفة. إذ لا يمكن فهم هذا العنف كأثر جانبي، بل كجزء من منطق الحرب ذاته، حيث يتحول الجسد إلى أداة لإعادة إنتاج السيطرة. وتشير تقارير دولية حديثة إلى أن العنف الجنسي استُخدم بشكل ممنهج في النزاعات في السودان وجنوب السودان، ما يعزز فكرة أن الجسد لم يكن ضحية فقط، بل ساحة صراع.
وفي فصلها المقارن، تقدم رانيا مادة غنية عن إرتيريا والسودان وجنوب السودان. ففي إرتيريا، شكّلت النساء ما يقارب 30% من القوة المقاتلة خلال حرب التحرير، غير أن تمثيلهن في مواقع القرار بعد الاستقلال لم يعكس هذه النسبة. وفي جنوب السودان، ورغم النصوص الدستورية التي تدعم مشاركة النساء، لا تزال الفجوة بين النص والواقع قائمة. وهنا يفرض سؤال رانيا نفسه مجدداً، ولكن بصيغة أكثر حدة: هل ما بعد الحرب هو لحظة تحول… أم لحظة إعادة ترتيب لنفس البنية؟
بهذا المعنى، تفتح ورقة رانيا جبارة باباً مهماً، لكنها تضعنا أمام مسؤولية أعمق: أن نقرأ ما لم تقله بقدر ما نقرأ ما قالته. فإعادة تشكيل علاقات الجندر لا يمكن أن تتم عبر سياسات تمكين معزولة، كما توحي بعض خلاصات الورقة، ما لم تُصاحبها عملية تفكيك جذري للبنية التي تنتج التهميش ذاته. فالمشكلة ليست فقط في غياب النساء عن مواقع القرار، بل في طبيعة هذه المواقع، وفي القواعد التي تحكمها.
وهنا يعود السؤال إلى رانيا نفسها: هل يكفي أن نطالب بإدماج النساء في الدولة، أم أن السؤال الأجدر هو: أي دولة هذه التي نُطالب بالاندماج فيها؟ فليس كل حضورٍ مشاركة، ولا كل تمثيلٍ تحرراً.
إن الحرية التي لا تعيد تعريف السلطة، تظل اسماً آخر لإعادة توزيع القيد.
عمار .