في حبك ياوطن
٦ أبريل… الثورة التي يحاول القتلة سرقة اسمها
مكين حامد تيراب
السادس من أبريل ليس مجرد تاريخ في الروزنامة السودانية، بل ماركة ثورية خالصة يملكها الشعب السوداني.
هو يوم انتفض فيه السودانيون، جيلاً بعد جيل، ليجددوا العهد مع قيمٍ واحدة لم تتغير: الحرية، السلام، العدالة، وسيادة حكم القانون.
لقد ظلّ السادس من أبريل حاضراً في ذاكرة هذا الشعب العظيم، تتوارثه الأجيال بوصفه رمزاً للعزيمة والإرادة الثورية التي صنعت محطات مفصلية في تاريخ السودان، من انتفاضة أبريل المجيدة إلى موجات النضال التي تلتها.
إنه يوم تتجدد فيه طموحات الشعب السوداني في بناء الدولة الديمقراطية المدنية العلمانية، الدولة التي تقوم على إرادة المواطنين لا على فوهة البندقية.
وفي هذا اليوم العظيم، نتوقف إجلالاً وإكباراً أمام شهداء الثورة السودانية وضحاياها، أولئك الذين دفعوا أرواحهم ودماءهم مهراً للحرية.
لهم منا جميعاً التحية والتقدير، ولهم أيضاً عهدٌ باقٍ في أعناقنا بأننا ماضون على الطريق حتى يتحقق التغيير الجذري الذي يؤسس لدولة سودانية ديمقراطية مدنية حقيقية.
لكن، وسط هذه المعاني النبيلة، يطل علينا مشهد بالغ القبح والاستفزاز.
لقد شاهدت مقاطع مصوّرة لقائد جيش جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية، المدعو عبد الفتاح البرهان، وهو يتجول عند ما يمكن تسميته بـ بوابة الموت؛ تلك البوابة التي شهدت سقوط الشرفاء في ميدان الاعتصام.
المشهد كان صادماً.
ففي أواخر شهر التوبة والغفران، يقف الرجل في المكان الذي وقعت فيه الجريمة، شاهداً على الانتهاكات والتصفيات التي جرت هناك.
إنه أمر يثير الدهشة حقاً.
يبدو أن هذا الرجل يمتلك قدرة خارقة على التمثيل السياسي؛ قدرة تجعل الحقائق تنقلب رأساً على عقب، فيصبح القاتل مناضلاً، ويُصوَّر الثوري مجرماً.
إنها عملية حفر بالإبرة في وعي الناس…
محاولة بطيئة وممنهجة لتزوير التاريخ وإعادة تشكيل الذاكرة.
فالرجل يصرّ على تقديم جيش جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية باعتباره “جيش السودان”، بينما يعرف السودانيون جيداً تاريخ هذا الجيش ومواقفه وتجاوزاته.
تاريخٌ لم يصُن أرضاً ولا عرضاً كما ينبغي، بل ارتبط في ذاكرة الناس بمحطات دامية دفع ثمنها المدنيون والشعوب.
والأخطر من ذلك أن هذا الجيش أصبح اليوم تحت قيادة من لا يخافون الله ولا يراعون ضميراً.
لقد شاهدت تلك المقاطع…
ولم أستطع إكمالها.
ليس لأن ما فيها مجرد أكاذيب أو تضليل، بل لأن الأمر يتجاوز ذلك إلى إصرارٍ فجّ على تحويل الباطل إلى حق.
بل إن الأمر بلغ حد محاولة تصوير ما يسمى بـ “حرب الكرامة” وكأنها التعبير الحقيقي عن إرادة الشعب السوداني، بينما يردد قائد الجيش شعار:
“شعب واحد… جيش واحد”.
والله إنني لا أكاد أصدق ما رأيت.
هل يدرك الرجل حقاً ما يقول؟
وهل يظن أن الشعوب يمكن أن تنسى؟
إن ثورات أبريل المجيدة كانت ثورات شريفة، قادها الشرفاء الصادقون، وقدموا فيها الأرواح والدماء والمهج الغالية.
وهؤلاء الشرفاء ما زالوا حتى اليوم يواصلون النضال الثوري.
أما حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣، فإن الأمل أن تكون آخر الحروب السودانية، وأن يخرج السودان منها أخيراً نحو أفق الدولة المدنية الديمقراطية التي حلم بها أبناؤه طويلاً.
وبإذن الله، ستنتصر إرادة الشعب السوداني.
فالتاريخ يعلمنا درساً بسيطاً:
دولة الظلم ساعة… مهما طالت.
أما الشعوب،
فإنها في النهاية
هي التي تنتصر.
—