البرهان يلغي مناصب نائب قائد الجيش ومساعديه خشية على موقعه

تحجيم شمس الدين كباشي الرجل الثاني في المؤسسة العسكرية.

 

 أقدم الفريق أول عبدالفتاح البرهان على إلغاء مناصب نائب ومساعدي قائد الجيش السوداني، في خطوة تبدو، في ظاهرها، جزءا من إعادة هيكلة إدارية داخل المؤسسة العسكرية، لكنها تحمل في عمقها مؤشرات واضحة على هواجس متصاعدة لدى البرهان من إمكانية تعرضه لانقلاب داخلي، مع وجود مراكز نفوذ تتصارع فيما بينها داخل المؤسسة العسكرية.

وقال مكتب المتحدث باسم الجيش السوداني في بيان الاثنين إن “القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان أصدر قرارًا قضى  بإلغاء القرار 164 لسنة 2023 الخاص بتعيين نائب القائد العام ومساعدي القائد العام”. ووفق البيان، فقد نص القرار أيضا على إبقاء المعنيين بالقرار الملغي أعضاءً بهيئة قيادة القوات المسلحة.

وجاء القرار بعد أيام قليلة من تغييرات ملفتة ومفاجئة للكثيرين أجراها البرهان وطالت هيئة أركان القوات المسلحة، حيث أصدر قرارًا بإعفاء الفريق أول محمد عثمان الحسين من منصب رئيس الأركان، وعيّن الفريق أول ياسر العطا رئيسًا جديدًا للهيئة بعد إعادة تشكيلها بضم عناصر جديدة.

ويعتقد مراقبون أن الخطوة الأخيرة استهدفت بالأساس تحييد الرجل الثاني داخل المؤسسة العسكرية،  الفريق أول شمس الدين كباشي والمحسوب على التيار المعتدل، الذي يميل للتسوية السياسية.

وكان البرهان أصدر بعد نحو شهر من اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، قرارًا بتعيين كباشي نائبًا له في قيادة الجيش، فيما سمى كلًا من ياسر العطا وإبراهيم جابر مساعدين له، مع احتفاظهما بعضويتهما في مجلس السيادة الانتقالي.

ويرى المراقبون أن القرار الأخير للبرهان وقبلها التعديلات التي طالت هيئة الأركان لا يمكن فصلهم عن السياق الأوسع للصراع في السودان، حيث لم تعد المواجهة محصورة بين الجيش وقوات قوات الدعم السريع، بل باتت تمتد إلى داخل المؤسسة العسكرية نفسها، عبر تباينات غير معلنة في مراكز القرار، واختلافات في تقدير مسار الحرب وإدارتها. وفي هذا الإطار، يُقرأ

قرار إلغاء المناصب العليا كجزء من محاولة استباقية لتحجيم أي مراكز قوة قد تنافس أو تُقيّد سلطة القائد العام.

المقاربة القائمة على تركيز السلطة وتقليص الدوائر القيادية، تنطوي على مخاطر كامنة. فالإفراط في إحكام القبضة قد يؤدي إلى تهميش قيادات مؤثرة، أو خلق حالة من التململ داخل المؤسسة.

ويدرك البرهان، الذي يواجه تحديات ميدانية وضغوطًا سياسية متزايدة، أن تعدد مراكز القرار داخل الجيش قد يتحول إلى نقطة ضعف، خصوصًا في لحظات التحول الحاسمة. لذلك، يبدو أنه اختار المضي نحو تركيز السلطة في دائرة ضيقة، بما يضمن إحكام السيطرة على مفاصل القرار العسكري، ويحدّ من احتمالات بروز قيادات بديلة قد تكتسب نفوذًا مستقلًا في ظل استمرار الحرب.

وتعكس هذه الخطوة، في جانب منها، قلقًا من إعادة تشكل موازين القوة داخل الجيش، خاصة مع بروز أدوار ميدانية لقيادات عسكرية قد تحظى بثقة الوحدات القتالية أو تكتسب شرعية ميدانية متزايدة. وفي مثل هذه الظروف، قد يتحول النفوذ الميداني إلى رصيد سياسي داخل المؤسسة، ما يفسر سعي البرهان إلى إعادة ضبط هرم القيادة بشكل يمنع تراكم هذا النوع من القوة خارج نطاق السيطرة المباشرة.

كما أن إلغاء مناصب تقليدية مثل نائب القائد العام ومساعديه يعيد رسم خطوط السلطة بشكل أكثر عمودية، حيث تتركز الصلاحيات في القمة. ورغم أن هذا التوجه قد يعزز سرعة اتخاذ القرار، إلا أنه يعكس في الوقت ذاته خشية من وجود تباينات داخلية قد تتطور إلى مراكز نفوذ موازية.

ولا يمكن تجاهل البعد السياسي في هذه الخطوة، إذ إن البرهان، الذي يقود الجيش في مرحلة انتقالية مضطربة، يسعى إلى تثبيت موقعه ليس فقط كقائد عسكري، بل كفاعل رئيسي في أي معادلة سياسية مقبلة. ومن هذا المنظور، فإن تحصين موقعه داخل الجيش يصبح أولوية قصوى، خصوصًا في ظل احتمالات التسوية أو إعادة تشكيل السلطة في البلاد.

غير أن هذه المقاربة، القائمة على تركيز السلطة وتقليص الدوائر القيادية، تنطوي على مخاطر كامنة. فالإفراط في إحكام القبضة قد يؤدي إلى تهميش قيادات مؤثرة، أو خلق حالة من التململ داخل المؤسسة، وهو ما قد ينعكس سلبًا على تماسكها في لحظة تحتاج فيها إلى أعلى درجات الانسجام.

وتبدو قرارات البرهان الأخيرة أقرب إلى محاولة لإعادة تأمين موقعه داخل المؤسسة العسكرية، بقدر ما هي إعادة تنظيم إداري. وبين هاجس الحفاظ على النفوذ ومتطلبات إدارة الحرب، يمضي قائد الجيش السوداني في مسار دقيق، حيث قد يكون النجاح في ضبط التوازنات الداخلية عاملًا حاسمًا في تحديد مآلات الصراع ومستقبل القيادة نفسها.

العرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.