قرارات البرهان تفكك قمة الجيش وتعيد طرح السؤال الأخطر: هل هذا جيش السودان أم جيش نخبة بعينها؟

تقرير أبو عبدالله الراشدي

 

أعادت القرارات الأخيرة التي أصدرها القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان تشكيل المشهد داخل المؤسسة العسكرية، لكنها في الوقت ذاته فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول طبيعة الجيش السوداني نفسه، وهل يعبر عن كل مكونات البلاد أم ظل، عبر تاريخه، أداة محتكرة من قبل نخبة محددة.

نفي تعيين كباشي.. ارتباك يكشف عمق الأزمة

في موازاة هذه القرارات، نفى القيادي في تحالف “صمود” طه عثمان صحة الأنباء التي تحدثت عن تعيين الفريق أول ركن شمس الدين كباشي قائدًا عامًا للقوات المسلحة، مؤكدًا أن ما تم تداوله لا يستند إلى أي قرار رسمي.

هذا النفي، الذي جاء بعد انتشار واسع للشائعة، يعكس حالة الارتباك داخل الفضاء العام، ويكشف هشاشة منظومة المعلومات المرتبطة بالمؤسسة العسكرية، في ظل غياب الشفافية واتساع فجوة الثقة بين القيادة والرأي العام.

إلغاء المناصب العليا.. خطوة كاشفة لا إصلاحية

قرار البرهان بإلغاء منصبي نائب القائد العام ومساعد القائد العام اللذين كان يشغلهما كباشي والفريق أول ركن ياسر العطا لم يُقرأ فقط باعتباره إعادة تنظيم إداري، بل خطوة تكشف طبيعة السلطة داخل الجيش.

فالإبقاء على شاغلي المناصب الملغاة ضمن هيئة القيادة، مع تجريدهم من مواقعهم التنفيذية، يشير إلى أن مركز القرار الحقيقي ظل محصوراً في دائرة ضيقة، وأن بقية المواقع لم تكن سوى امتدادات شكلية داخل هرم قيادة مغلق.

إعادة تشكيل الأركان.. تدوير داخل نفس الدائرة

القرارات التي شملت إعادة تشكيل رئاسة هيئة الأركان، وتعيين قيادات جديدة، وترقيات وإحالات للتقاعد، تعكس بحسب مراقبين نمطاً متكرراً من “إعادة التدوير” داخل نفس البنية، دون اختراق حقيقي لمنظومة الهيمنة التاريخية.

ويرى خبراء أن هذه التغييرات لم تمس جوهر المشكلة، بل أعادت إنتاجها، حيث ظلت المواقع القيادية تدور داخل نطاق اجتماعي وجغرافي محدود، دون فتح المجال أمام تمثيل عادل لمكونات السودان المختلفة.

جيش مختطف.. من المؤسسة الوطنية إلى الأداة النخبوية

في ضوء هذه التطورات، يعيد محللون التأكيد على أن الجيش السوداني ظل، لعقود، عرضة للاختطاف والاختراق والاستتباع، حيث تم توظيفه لخدمة أجندات سياسية واجتماعية لا تعكس

تطلعات غالبية الشعب.

ويشير هؤلاء إلى أن قرار إلغاء المناصب العليا لا يمكن فصله عن هذا السياق، إذ يكشف أن البناء المؤسسي نفسه هشّ، وقابل لإعادة التشكيل بقرارات فردية، ما يعزز فكرة أن الجيش لم يتأسس كجسم وطني مستقل، بل كأداة سلطة.

هيمنة أقلية.. قيادة بلا تمثيل قومي

وبحسب قراءات متقاطعة، فإن هيئة القيادة داخل الجيش ظلت حكرًا على كيانات اجتماعية بعينها ومناطق محددة، ما خلق فجوة عميقة بين القيادة والقاعدة.

ففي حين يشكل أبناء الأقاليم المهمشة “دارفور، كردفان، النيل الأزرق” العمود الفقري للجنود والرتب الدنيا، ظل حضورهم في مواقع القرار محدودًا للغاية، وغالبًا ما يأتي في إطار تمثيل رمزي لا يغير من طبيعة السيطرة القائمة.

ويرى مراقبون أن قرارات البرهان الأخيرة، رغم ما تحمله من طابع “إعادة هيكلة”، لم تكسر هذه المعادلة، بل أعادت تثبيتها بشكل غير مباشر.

عقيدة منحازة.. الجيش في مواجهة خيارات الشعب

ويذهب خبراء إلى أن هذه التركيبة غير المتوازنة انعكست على عقيدة الجيش، التي لم تتشكل على أساس وطني جامع، بل تأثرت بولاءات سياسية وجهوية.

ويؤكدون أن المؤسسة العسكرية، في مراحل عديدة، وُظفت لخدمة أجندات لا ترتبط بمصالح الشعوب السودانية، خاصة في مناطق الهامش – بل ووقفت في كثير من الأحيان – كعقبة أمام خيارات السودانيين في الحكم والتحول الديمقراطي.

بين الشائعة والقرار.. أزمة ثقة بنيوية

انتشار شائعة تعيين كباشي، ثم نفيها، بالتزامن مع قرارات إلغاء المناصب، يعكس أزمة أعمق تتعلق بغياب الشفافية داخل المؤسسة العسكرية.

فحين تصبح القرارات الكبرى محاطة بالغموض، وتنتشر المعلومات عبر تسريبات ومنشورات غير موثقة، فإن ذلك يعزز الشعور بأن الجيش يعمل بمعزل عن المجتمع، وليس كمؤسسة وطنية خاضعة للمساءلة.

قرار يكشف أكثر مما يغير

في المحصلة، لا تبدو قرارات البرهان الأخيرة مجرد خطوة تنظيمية، بل لحظة كاشفة لطبيعة الجيش السوداني، الذي يراه كثيرون بعيداً عن كونه “جيش السودان” بالمعنى القومي الشامل.

في المحصلة، لا تبدو قرارات البرهان الأخيرة مجرد خطوة تنظيمية، بل لحظة كاشفة لطبيعة الجيش السوداني، الذي يراه كثيرون بعيداً عن كونه “جيش السودان” بالمعنى القومي الشامل.

فالجيش، وفق هذه القراءة، ظل مؤسسة تحتكرها نخبة محددة، وتُدار وفق اعتبارات ضيقة، ما يجعله أقرب إلى “جيش السلطة” منه إلى جيش الوطن.

ويبقى التحدي الأكبر، كما يشير خبراء، هو الانتقال من هذه البنية المختطفة إلى مؤسسة عسكرية مهنية، تعكس التنوع السوداني، وتخضع لإرادة مدنية، وتعمل فقط لحماية البلاد وسيادتها، لا لحماية أنظمة أو مصالح ضيقة.

حتى ذلك الحين، ستظل كل قرارات إعادة الهيكلة، مهما بدت كبيرة، تدور داخل نفس الدائرة، دون أن تمس جوهر الأزمة.

التنوير

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.