شرشار … الحرب على المواطن التي صارت أخطر من أي حرب على الحدود
شرشار … الحرب على المواطن التي صارت أخطر من أي حرب على الحدود
بقلم: صفاء الزين
يُقاس تاريخ الجيوش بما تحميه من أوطان، وبما تصونه من حدود، وبمقدار ما تمنحه للمواطنين من شعور بالأمن تحت مظلتها. وعندما تتحول المؤسسة العسكرية، عبر عقود متعاقبة، إلى طرف رئيسي في صراعات داخلية، فإن القضية تمتد إلى طبيعة العلاقة بين الجيش والمجتمع، وإلى الوظيفة التي تنهض بها المؤسسة العسكرية داخل الدولة.
منذ استقلال السودان، ظل الجيش جزءاً من المشهد السياسي، وارتبط تاريخه بسلسلة طويلة من الحروب الداخلية التي استنزفت الأرواح، ودفعت ملايين المواطنين إلى النزوح واللجوء. فمن جنوب السودان قبل الانفصال، إلى دارفور، وجبال النوبة في جنوب كردفان، والنيل الأزرق، ثم الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، تحملت المجتمعات المدنية الكلفة الأكبر للنزاعات المتعاقبة.
هذا الامتداد الطويل للحروب يثير أسئلة جوهرية حول إدارة الأزمات الوطنية. فعندما تصبح القوة العسكرية الأداة الغالبة في التعامل مع الخلافات السياسية، تدخل البلاد في دورة ممتدة من الصراعات، وتتحول المجتمعات المحلية إلى الميدان الذي يدفع الثمن الأكبر. فالبندقية قد تفرض واقعاً ميدانياً، لكنها لا تؤسس استقراراً، ولا تفتح طريقاً إلى سلام مستدام.
وتأتي شرشار اليوم لتعيد هذه الأسئلة إلى الواجهة. فالمشاهد والتقارير المتداولة عن سقوط مدنيين، بينهم نساء وأطفال، وما أوردته مصادر محلية عن إصابات مروعة طالت أجنة داخل أرحام أمهاتهم نتيجة القصف الجوي، تعكس حجم المأساة الإنسانية التي تخلفها الحروب عندما تمتد إلى المناطق السكنية، فيجد المدنيون أنفسهم داخل دائرة الخطر، ويدفعون ثمن صراع لم يكونوا طرفاً فيه.
إن مأساة السودان ترتبط بتاريخ طويل من تغليب المعالجة العسكرية على قضايا تمتلك جذوراً سياسية واجتماعية عميقة. وكل حرب داخلية تترك خلفها مجتمعاً أكثر إنهااكاً، وذاكرة أكثر ثقلاً، وأجيالاً تحمل آثار العنف، والنزوح، والفقد، وتراجع الثقة بين الدولة ومواطنيها.
وتظل مسؤولية أي مؤسسة عسكرية موضع مساءلة مستمرة، لأن مكانتها تُبنى بقدرتها على حماية حدود الوطن، واحترام القواعد التي تحكم النزاعات المسلحة، وصون حياة المدنيين، والتزام دورها الدستوري. فكل اتساع في الفجوة بينها وبين المجتمع يفرض مراجعة جادة لطبيعة هذه العلاقة، وللأسس التي تقوم عليها.
وستبقى شرشار محطة مؤلمة في الذاكرة السودانية، وشاهداً على الكلفة الإنسانية الباهظة للحروب الداخلية، وتأكيداً على أن مستقبل السودان يتطلب معالجة الجذور التي أنتجت الصراع، وضمان الحماية الفاعلة للمدنيين، وكشف الحقيقة بشأن جميع الانتهاكات، بما في ذلك الجرائم المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيميائية، عبر تحقيقات مستقلة وموثوقة، حتى تتحرر البلاد من الحلقة المتكررة للحرب والفقد.