مسح إحصائي يرصد نسبة الفقر بـ82% وارتفاع معدلاته في مناطق السودان

أثارت نتائج مسح الفقر متعدد الأبعاد لعام 2023، التي أعلن عنها الجهاز المركزي للإحصاء، جدلاً واسعاً؛ إذ أظهرت أن نحو 82.8% من سكان السودان يعيشون في حالة فقر متعدد الأبعاد، فيما بلغت شدة الفقر 53.3%، وسجل مؤشر الفقر متعدد الأبعاد 0.441. ويعكس هذا المؤشر أن غالبية السكان لا يعانون فقط انخفاض الدخل، وإنما من حرمان متزامن في عدد من الخدمات الأساسية، مثل الصحة، والتعليم، والمياه، والصرف الصحي، والطاقة، والسكن.

ويقول المدير العام للجهاز المركزي للإحصاء، علي محمد عباس أحمد، لـ “راديو دبنقا”، إن هذا المسح يُعد الوطني الأول من نوعه الذي يغطي جميع ولايات السودان، وقد نُفذ بالشراكة مع الوزارات والمؤسسات والجامعات ومراكز البحوث ضمن النظام الإحصائي الوطني، وبدعم فني ومالي من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إضافة إلى الدعم الفني وبناء القدرات من مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، في حين ساهمت وزارة المالية في تمويل تنفيذ المسح.

ويبين أن المسح وفر بيانات ومؤشرات على المستويين القومي والولائي، إلى جانب مؤشرات تغطي الحضر، والريف، والرحل، والنازحين، واللاجئين، فضلاً عن تحليل الفقر وفق الخصائص الاجتماعية والديموغرافية لرب الأسرة والحالة التعليمية.

ويؤكد عباس أن الجهاز يعتزم تنفيذ الجولة الثانية من مسح الفقر متعدد الأبعاد لرصد الأوضاع بعد الحرب، موضحاً أن النتائج المعلنة تعكس واقع عام 2023 قبل اندلاع النزاع.

تفاوت واضح بين أنماط المعيشة

وتكشف نتائج المسح عن فجوة كبيرة بين الفئات السكانية المختلفة؛ حيث سجل سكان الريف أعلى معدلات انتشار للفقر بنسبة 99.9%، يليهم اللاجئون بنسبة 99.6%، ثم النازحون والرحل، في حين سجل سكان الحضر أدنى نسبة بلغت 69.4%. كما بلغ مؤشر الفقر متعدد الأبعاد 0.325 في المناطق الحضرية، مقارنة بـ 0.504 في الريف، و0.655 بين الرحل، و0.610 بين النازحين، و0.634 وسط اللاجئين.

وتشير هذه الأرقام إلى أن الفقر في السودان يرتبط بشكل وثيق بمكان الإقامة ونمط المعيشة؛ حيث تتفاقم معدلات الحرمان خارج المدن، وخاصة بين المجتمعات المتنقلة والمتأثرة بالنزوح واللجوء.

الصحة والتعليم في مقدمة أسباب الفقر

أظهر التقرير أن الحرمان من الخدمات الصحية يمثل أكبر مساهمة في الفقر متعدد الأبعاد لدى جميع الفئات السكانية، يليه الحرمان من التعليم، سواء من حيث عدد سنوات الدراسة أو الالتحاق المدرسي. في المقابل، جاءت عمالة الأطفال كأقل المؤشرات مساهمة في قياس الفقر مقارنة ببقية المؤشرات.

وسجل الرحل أعلى نسب الحرمان في معظم المؤشرات؛ إذ بلغت نسبة المحرومين من الخدمات الصحية 99.7%، ومن وقود الطهي 99.5%، فيما سجلت المناطق الحضرية أدنى نسب الحرمان في هذه المؤشرات.

وأبرز التقرير وجود فجوة واضحة بين الأسر التي تعيلها النساء وتلك التي يعيلها الرجال؛ إذ بلغت نسبة انتشار الفقر متعدد الأبعاد بين الأسر التي تعيلها نساء 88.1%، مقابل 81.7% للأسر التي يعيلها رجال.

كما سجلت الأسر التي تعيلها النساء متوسط شدة فقر بلغ 54.9%، مقارنة بـ 52.9% للأسر التي يعيلها رجال، فيما بلغ مؤشر الفقر متعدد الأبعاد 0.484 للأسر التي ترأسها نساء، مقابل 0.432 للأسر التي يرأسها رجال.

ويشير التقرير إلى أن أفراد الأسر التي تعيلها نساء يعانون مستويات أعلى من الحرمان في معظم المؤشرات، خاصة في الوصول إلى الخدمات الصحية والصرف الصحي، بينما كانت تغذية الأطفال والازدحام والشباب غير الملتحقين بالتعليم أو العمل من المؤشرات القليلة التي سجلت مستويات أعلى في الأسر التي يعيلها رجال.

الآباء الشباب أكثر فقراً

وأظهر المسح ارتباطاً بين عمر رب الأسرة ومستويات الفقر؛ إذ سجلت الأسر التي يرأسها شباب في الفئات العمرية بين 15 و34 عاماً أعلى معدلات الفقر، حيث تجاوزت نسبة انتشار الفقر 93% في هذه الفئات، ووصلت إلى 98.5% بين الأسر التي يرأسها أشخاص تتراوح أعمارهم بين 15 و19 عاماً.

وفي المقابل، انخفضت معدلات الفقر تدريجياً مع تقدم عمر رب الأسرة، لتصل إلى نحو 71% بين الأسر التي يرأسها أشخاص تجاوزوا الستين عاماً. كما سجلت الفئات العمرية الأصغر سناً أعلى نسب الحرمان في الخدمات الصحية والصرف الصحي، ما يعكس هشاشة أوضاع الأسر الشابة مقارنة بغيرها.

تفاوت جغرافي بين الولايات

وتظهر نتائج المسح تفاوتاً كبيراً بين الولايات؛ إذ جاءت ولاية الخرطوم في أدنى مؤشر للفقر متعدد الأبعاد بقيمة 0.227، تلتها الولاية الشمالية بمؤشر 0.248، بينما سجلت شرق دارفور ووسط دارفور أعلى المؤشرات على مستوى البلاد بقيم بلغت 0.605 و0.607 على التوالي، ما يعكس اتساع فجوة التنمية والخدمات بين الولايات.

لا يمثل مفاجأة

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي د. وائل فهمي أنّ نسبة الفقر البالغة 82.8% لا تمثل مفاجأة بقدر ما تمثل تأكيداً علمياً لما كانت تشير إليه باستمرار تدهور المؤشرات الاقتصادية منذ سنوات، وخاصة لما بعد عام 2019، في ظل ثبات السبب المشترك لكل هذه الظواهر المتمثل في استمرار تآكل القاعدة الإنتاجية للاقتصاد السوداني.

ويقول فهمي لـ “راديو دبنقا”: “تأتي هذه النتائج في ظل استمرار السياسات الاقتصادية الموروثة منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وما كانت تقود إليه من اتساع مستمر في دائرة الفقر؛ حيث كانت التقديرات العامة تدور بين 80% و85% من السكان، وقد جاءت نتائج المسح لتقترب منها بصورة لافتة، وإن اختلفت منهجية القياس”.

ويضيف: “لكن أهمية التقرير لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في أنه يثبت أن السودان دخل الحرب وهو يعاني أصلاً أزمة تنموية وهيكلية عميقة جداً”. ويرى أن التقرير يقيس الفقر متعدد الأبعاد، أي الحرمان من التعليم، والصحة، والسكن اللائق، والكهرباء، والمياه، والصرف الصحي، وليس مجرد انخفاض الدخل، تابعاً قوله: “وهذا يعني أن الأزمة كانت أعمق من كونها أزمة معيشية؛ لقد كانت أزمة في نموذج سياسات التنمية نفسها”.

ووفق ما أبانه التقرير، كما يعتقد فهمي، فقد وُصف حجم الحرمان بدقة، لكن التقرير بحكم طبيعته الإحصائية لم يكن معنياً بتفسير الأسباب البنيوية التي أوصلت السودان إلى هذه النتيجة.

ويتابع قائلاً: “فالتحليل الاقتصادي يقود إلى أن ارتفاع الفقر لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تراكم طويل من تراجع القاعدة الإنتاجية، وتنامي اختلال أولويات السياسات الاقتصادية، وضعف كفاءة الإدارة الاقتصادية، وتراجع التخطيط التنموي، وسوء توزيع الاستثمارات والدخل القومي، وغياب التنمية المتوازنة بين الولايات، في ظل الاعتماد المتزايد على آليات السوق في قطاعات الخدمات الأساسية والمصادر التمويلية الأجنبية دون استثمارات موازية”.

التحول التدريجي

ويعتقد الخبير الاقتصادي د. وائل فهمي أنّ الاقتصاد تحول تدريجياً من اقتصاد يعتمد على خلق الثروة إلى اقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على الجبايات والرسوم، في وقت تراجعت فيه قدرة القطاعات الإنتاجية على خلق فرص العمل والقيمة المضافة.

ويرى أنّه نتيجة لذلك، لم يعد التضخم مجرد ارتفاع في الأسعار، بل أصبح آلية لإفقار الأسر؛ إذ أدى إلى تآكل الأجور والقوة الشرائية، وإجبار ملايين المواطنين على التقشف والحرمان القسري بتقليص الإنفاق على التعليم والصحة والغذاء، وهي الأبعاد نفسها التي يقيسها التقرير.

ويشير فهمي إلى أن التقرير يكشف استمرار الاختلال التنموي بين الريف والحضر؛ فالولايات الريفية، التي تمثل قاعدة الإنتاج الزراعي والحيواني، هي الأكثر حرماناً من الخدمات والاستثمارات، وهو ما يعكس نموذج نمو غير متوازن، ويؤدي إلى إضعاف الإنتاجية الوطنية وتعميق الفقر.

ومن زاوية الاقتصاد الكلي، يعتقد الخبير فهمي أنّ ارتفاع الحرمان في التعليم والصحة لا يمثل فقط مشكلة اجتماعية، بل يعني أيضاً تدهور رأس المال البشري، وانخفاض إنتاجية العمل، وتراجع القدرة التنافسية للاقتصاد. وهكذا يصبح الفقر سبباً ونتيجة في آن واحد؛ فهو يخفض الإنتاجية، بينما يؤدي ضعف الإنتاجية إلى مزيد من الفقر.

ويؤكد فهمي أن الحرب جاءت لتضاعف أزمة كانت قائمة أصلاً. فقد أدت إلى تدمير أجزاء واسعة من القاعدة الإنتاجية، وتعطل النشاط الاقتصادي، وتوسع النزوح واللجوء، وتدمير وانهيار كثير من الخدمات الأساسية، واستمرار تراجع قيمة الجنيه وارتفاع تكاليف المعيشة.

ويقول: “ولذلك، لا يمكن الجزم اليوم بنسبة جديدة للفقر متعدد الأبعاد دون إجراء مسح ميداني جديد، وهو ما جرىت برمجته -حسب منتدى التدشين- ليكون في عام 2028م إن توقفت الحرب”. لكنه يرى أنه من المشروع علمياً القول إن اتجاهات الاقتصاد تشير إلى أن نسبة 82.8% قد تكون رقماً متواضعاً على شدة ارتفاعها في 2023؛ فهي بالتالي لا تعكس الحجم الحالي للحرمان، وإنما تمثل فقط خط الأساس الذي سبق سنوات الحرب.

ضعف تحويل الموارد

ويرى الخبير الاقتصادي دكتور وائل فهمي أنّ السودان لا يعاني نقصاً في الموارد الطبيعية، بل من ضعف في تحويل هذه الموارد إلى إنتاج وثروة وتنمية بشرية. ولذلك، كما يقول، فإن مكافحة الفقر لن تتحقق باستمرار الاعتماد على المساعدات الإنسانية وأموال برامج مكافحة الفقر وحدها بسبب تفاقم الاختلالات الهيكلية للاقتصاد السوداني، ولا بإجراءات نقدية أو مالية معزولة.

ويشير إلى أن مكافحة الفقر إنما تتحقق بإعادة بناء الاقتصاد المنتج، واستعادة دور الدولة التنموي، والاستثمار في الزراعة والصناعة والبنية الأساسية والتعليم والصحة، باعتبارها الأساس الحقيقي لأي تعافٍ اقتصادي مستدام.

ويعتقد الخبير الاقتصادي أن الفقر متعدد الأبعاد هو مؤشر متأخر (lagging indicator)؛ فهو يعكس آثار سنوات من تدهور التعليم والصحة والخدمات والدخل والاقتصاد ككل، ولذلك فمن الطبيعي ألا تظهر الآثار الكاملة للحرب إلا في مسح لاحق. ويبين أن نسبة الـ 82.8% بالتأكيد لا تعكس الواقع الحالي لأنها تصف واقعاً سبق الحرب التي سيترتب عليها مفاقمة كل مكونات هذا المؤشر.

وطرح د. وائل فهمي حزمة أسئلة بقوله: “يبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار اليوم ليس كم عدد الفقراء في السودان الذين أضافتهم الحرب الحالية أو ما بعدها، بل أصبح: كم بقي من السودانيين خارج دائرة الفقر الآن ولماذا؟ بما يفرض سؤالاً فكرياً عن كيفية إعادة بناء اقتصاد قادر على منع إنتاج الفقر من جديد”.

ويقول: “فتقرير 2023 قد سألنا، في الواقع وبصورة غير مباشرة، عن حجم الفقر في السودان قبل الحرب، لكن سنوات الحرب تفرض أيضاً سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل أصبحت نسبة 82.8% مجرد بداية لمسار قادم أشد قسوة لما بعد الحرب بالسياسات نفسها التي أنتجت هذه النسبة قبلها؟”.

ولفت الخبير الاقتصادي د. وائل فهمي إلى أن إعادة إعمار المباني والمحلات والطرق لا تكفي إذا لم يصاحبها إعادة بناء هيكلي جديد للقاعدة الإنتاجية، وبناء نموذج سياسات وتنمية بديلة عن أسس الهيكل الاقتصادي المختل الموروث من الاستعمار، بحيث تضع الإنسان والإنتاج ذات القيمة المضافة لرفاهية الإنسان السوداني وأسرته في قلب السياسات الاقتصادية.

دبنقا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.