تفويض البرهان وخطة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين
تفويض البرهان يمثل أداة التنظيم الدولي للإخوان للعودة غير المباشرة عبر وضعه في مأزق دولي يفرض تمسكه بالسلطة كدرع يحميهم من الحساب.
د. عبد المنعم همت
تفويض البرهان وخطة التنظيم الدولي للإخوان المسلمين
تفويض البرهان يمثل أداة التنظيم الدولي للإخوان للعودة غير المباشرة عبر وضعه في مأزق دولي يفرض تمسكه بالسلطة كدرع يحميهم من الحساب.
يمثل سقوط نظام الحركة الإسلامية في السودان زلزالًا ضرب أركان التنظيم الدولي للإخوان المسلمين وحلفائه الإقليميين، بعدما فقدوا فجأة أهم عمق استراتيجي ومالي ولوجستي أداروا منه نفوذهم لثلاثة عقود. هذا الخسران العظيم وضع التنظيم في أزمة وجودية حقيقية، دفعت قياداته للجوء إلى الخطة البديلة فورًا. استغل الإخوان حالة التساهل واللين التي تعاملت بها قوى الثورة والسلطة الانتقالية معهم، فشرعوا في تخريب المفاصل الحيوية للدولة وعرقلة الانتقال عبر إثارة الاضطرابات الأمنية، وضغط الملف الاقتصادي، ونشر التشكيك الممنهج في كفاءة القوى المدنية لإعادة البلاد إلى مربع الفوضى.
وانتهى هذا المسار بتفجير الحرب المسلحة استنادًا إلى وهم وتقدير خاطئ افترض إمكانية حسم المعركة لصالحهم خلال ساعات معدودة واستعادة الحكم فورًا. غير أن الواقع الميداني خيب ظنونهم وتطاول أمد القتال ليثبت جليًا استحالة عودة الحركة الإسلامية بوجهها التنظيمي القديم وشكلها العلني المباشر، جراء الرفض الشعبي الكاسح والعزلة الدولية الشديدة.
الحرب تحولت إلى ابتزاز دائم جعلت البرهان أسيرًا للسلطة بينما يدفع الشعب السوداني ومؤسسات الدولة الثمن الأفدح لهذه المراهنة السياسية المزدوجة
ومع انسداد هذا الطريق، انتقل التنظيم إلى خطة أكثر دهاءً، تعتمد على العمل من خلف الستار عبر تفويض الفريق أول عبدالفتاح البرهان ليحكم ويقبض على مقاليد الأمور. يهدف هذا التفويض إلى تحقيق هدفين في وقت واحد: ضمان العودة غير المباشرة للواجهة، وتأمين الإفلات التام من العقاب والمساءلة عن جرائم عقود مضت. ولإحكام القبضة على قائد الجيش، تعمد الإخوان وضعه في مأزق سياسي ودولي معقد، عبر رفع سقف التصعيد الميداني وتسريع وتيرة الاتهامات الدولية الموجهة للجيش، والتي بلغت حد الإشارة إلى استخدام الأسلحة الكيماوية والانتهاكات الجسيمة.
ينطلق التنظيم في هذا التكتيك من فهم دقيق لبطء المجتمع الدولي وبيروقراطيته الهيكلية في التحقيق واتخاذ القرارات، لكنه يدرك في الوقت ذاته أن مجرد فتح هذه الملفات الخطيرة وتراكمها يفرض عزلة حادة على رأس السلطة العسكرية ويغلق أمامه خطوط الرجعة مع العالم. هذا الضغط الخارجي المتزايد، متزامنًا مع احتياج البرهان للغطاء الميداني والإعلامي الذي توفره كتائب النظام السابق، وضعه في زاوية ضيقة جدًا حيث أصبح خياره الوحيد والضروري للنجاة الشخصية وتفادي الملاحقة الدولية هو التمسك المطلق بالسلطة وعدم التنازل عنها تحت أي ظرف.
تدار الأزمة الحالية وفق هذه المعادلة، حيث تحولت الحرب إلى أداة ابتزاز دائمة، وضعت رئيس مجلس السيادة في وضع لا يملك فيه خيار التنحي أو خيار السلام، مستغلين تورطه المتزايد ليظل درعًا يحمي التنظيم من الحساب، بينما يدفع الشعب السوداني ومؤسسات دولته الثمن الأفدح لهذه المراهنة السياسية.
العرب