القاهرة والسياسي الأمريكي.. كيف استخدمت مصر سبائك الذهب لإبقاء السودان تحت الحصار؟

القاهرة والسياسي الأمريكي..

كيف استخدمت مصر سبائك الذهب لإبقاء السودان تحت الحصار؟

 

✍️بقلم – محمد الهادي

 

لطالما قدمت القاهرة نفسها باعتبارها الداعم الأول للدولة السودانية ومؤسساتها، مؤكدة أن الحفاظ على وحدة السودان يمر عبر دعم المؤسسة العسكرية باعتبارها الضامن لاستقرار البلاد. وشكل هذا الخطاب الأساس المعلن للسياسة المصرية تجاه السودان.

 

غير أن سجل السياسة المصرية يكشف ثبات هدفها الاستراتيجي، وهو إبقاء السودان ضعيفاً وتابعاً للنفوذ المصري.

 

لذلك دعمت الانقلابات العسكرية، إدراكاً منها أن الحكم العسكري، بما يفاقمه من انقسامات وحروب، يُبقي السودان هشاً وتحت السيطرة. وللسبب نفسه، دعمت حكم الإخوان المسلمين في السودان رغم محاربتهم في مصر، لأن مشروعهم يعمّق الانقسام الداخلي والعزلة الخارجية، بما يحول السودان إلى دولة ضعيفة تعتمد على جارتها الشمالية.

 

في هذا السياق، تبرز قضية السيناتور الأمريكي بوب مينينديز، التي كشفت كيف اخترقت القاهرة دوائر صنع القرار في واشنطن عبر شبكة رشاوى، في وقت تزامنت فيه تحركاته مع ملفات كان لها أثر مباشر على إضعاف السودان خلال المرحلة الانتقالية، من قضية الحصانة السيادية إلى مفاوضات سد النهضة.

 

ففي 16 يوليو 2024، أدانت هيئة محلفين فيدرالية في نيويورك السيناتور الأمريكي بوب مينينديز بـ 16 تهمة جنائية، شملت الرشوة، والفساد، والعمل كوكيل لحكومة أجنبية دون تسجيل قانوني. وبعد نحو ستة أشهر، في 29 يناير 2025، حكمت المحكمة عليه بالسجن 11 عاماً، لتطوى واحدة من أكبر قضايا الفساد التي شهدها مجلس الشيوخ الأمريكي.

 

إختراق مصري لدوائر القرار الأمريكية

 

كان بوب مينينديز، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، يتمتع بصلاحيات واسعة في ملفات السياسة الخارجية الأمريكية.

 

وكشفت التحقيقات أن مينينديز تلقى عبر شبكة مرتبطة برجال أعمال مصريين، أموالاً وذهباً ومزايا شخصية مقابل استخدام نفوذه السياسي لخدمة مصالح الحكومة المصرية. وأصبحت هذه الوقائع أساساً لإدانته بالعمل لصالح حكومة أجنبية، في سابقة غير معهودة لعضو في مجلس الشيوخ الأمريكي.

 

الرشاوى تقترب من السودان

 

عند مقارنة التسلسل الزمني للرشاوى بتحركات مينينديز المتعلقة بالسودان، تظهر مفارقة يصعب تجاهلها.

 

ففي عام 2018 بدأت العلاقة بين نادين زوجة بوب مينينديز ورجل الأعمال الأمريكي من أصل مصري وائل حنا، لتصبح هذه العلاقة قناة الاتصال الرئيسية بين السيناتور ومسؤولين في الحكومة المصرية.

 

وخلال 2019 بدأت الأموال والامتيازات تتدفق على الزوجين، بالتزامن مع حصول شركة وائل حنا على احتكار إصدار شهادات الحلال لصادرات اللحوم الأمريكية إلى مصر.

 

في مارس 2020، أرسلت نادين مينينديز رسالة إلى المسؤول المصري الذي أشارت إليه لائحة الاتهام باسم “الجنرال” قالت فيها: “في أي وقت تحتاج فيه إلى أي شيء، لديك رقمي وسنجعل كل شيء يحدث.”

 

وبعد أيام رتبت لقاءً خاصاً بين زوجها والجنرال لمناقشة مفاوضات سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا، والتي وصفتها لائحة الاتهام بأنها كانت من أهم أولويات السياسة الخارجية المصرية في ذلك الوقت.

 

وخلال أقل من شهر، وجّه مينينديز رسالة إلى وزير الخارجية مايك بومبيو ووزير الخزانة ستيفن منوشين، أعرب فيها عن قلقه من تعثر المفاوضات، وحث الإدارة الأمريكية على تكثيف انخراطها في الملف. وقد أورد الادعاء هذا التسلسل الزمني باعتباره مثالاً على العلاقة المباشرة بين اتصالات المسؤولين المصريين وتحركات مينينديز الرسمية.

 

وخلال الفترة نفسها، كان بوب مينينديز يقود داخل مجلس الشيوخ مفاوضات إعادة الحصانة السيادية للسودان، قبل إقرار التسوية في ديسمبر 2020.

 

لعبت نادين مينينديز دور الوسيط الرئيسي بين زوجها ومسؤولين ورجال أعمال مصريين، إذ تولت تنسيق اللقاءات ونقل الرسائل وترتيب قنوات التواصل. واعتبر الادعاء هذا الدور ركناً أساسياً في تنفيذ مخطط الرشاوى الذي انتهى بإدانة الزوجين. كما أدين إثنان من المتهمين الآخرين، وهما رجلا الأعمال فريد دايبس ووائل حنا بجميع التهم الموجهة إليهما.

 

وقد يبين هذا التسلسل أن أبرز تحركات مينينديز المتعلقة بالسودان جاءت في الفترة ذاتها التي أثبت القضاء الأمريكي أنه كان خلالها يتلقى رشاوى مقابل خدمات قدمها للحكومة المصرية.

 

السيناتور الذي عطل خروج السودان من العزلة

 

بين عامي 2019 و2020، كانت الحكومة الانتقالية بقيادة عبد الله حمدوك تعمل على استعادة الحصانة السيادية ورفع اسم السودان من قائمة الإرهاب تمهيداً لإعفاء الديون وعودة الاستثمارات.

 

إلا أن مشروع التسوية واجه معارضة داخل الكونغرس قادها بوب مينينديز، الذي كان في الفترة نفسها يتلقى رشاوى من شبكة مرتبطة بالحكومة المصرية.

 

وقاد مينينديز مفاوضات استمرت أشهراً لتعديل التشريع، قبل التوصل إلى تسوية أُدرجت ضمن قانون الإنفاق الفيدرالي في ديسمبر 2020، منحت السودان الحصانة السيادية مع الإبقاء على بعض الدعاوى القضائية المتعلقة بهجمات 11 سبتمبر.

 

ورغم أن مينينديز برر موقفه تجاه السودان باعتبارات قانونية مرتبطة بحقوق ضحايا 11 سبتمبر، فإن توقيت هذه التحركات أصبح محل تدقيق بعد كشف شبكة الرشاوى المرتبطة بمصالح مصرية، والتي أثبتت المحكمة أنه كان يتلقى عبرها منافع مالية خلال الفترة نفسها.

 

هذا التزامن في الأحداث فتح باب التساؤل حول أثر تضارب المصالح على مواقف اتخذت في ملفات إقليمية شديدة الحساسية.

 

بالنسبة للسودان، حمل التأخير تداعيات اقتصادية وسياسية واسعة، إذ أبقى البلاد في دائرة الضغوط المالية والدبلوماسية بعد عقود من العقوبات والعزلة الدولية.

 

وأدى ذلك إلى إبطاء خطوات الوصول إلى التمويل الخارجي وإعادة الاندماج في النظام المالي العالمي، في وقت كانت فيه الحكومة الانتقالية تعتمد على الدعم الدولي لتنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي واستعادة ثقة المؤسسات المالية العالمية.

 

ما الذي تكشفه القضية؟

 

أثارت القضية حرجاً كبيراً للحكومة المصرية، بعدما خلص القضاء الأمريكي إلى أن سيناتوراً نافذاً عمل لصالحها مقابل رشاوى.

 

وربطت تقارير لصحيفتي نيويورك تايمز وجيروزاليم بوست إبعاد اللواء عباس كامل عن رئاسة المخابرات العامة المصرية بتداعيات قضية السيناتور بوب مينينديز، مشيرة إلى دور جهاز المخابرات في إدارة قنوات التواصل مع شبكة الرشاوى، واعتبرت الإبعاد جزءاً من محاولة احتواء الأزمة وتخفيف تداعياتها على العلاقات مع واشنطن.

 

تكشف القضية أن شبكة الرشاوى المصرية لم تقتصر آثارها على العلاقات الثنائية بين القاهرة وواشنطن، بل امتدت إلى ملفات إقليمية كان السودان من أبرز المتأثرين بها، إذ صدرت قرارات مؤثرة في ملفي الحصانة السيادية وسد النهضة خلال الفترة نفسها التي كان فيها بوب مينينديز يتلقى رشاوى لخدمة القاهرة.

 

وتشير الوقائع إلى أن حماية المصالح المصرية لم تقتصر على الدفاع عن مواقف القاهرة، بل امتدت إلى تحركات انعكست على فرص السودان في استعادة مكانته الدولية وتعزيز استقلال قراره.

 

إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بالرشاوى التي حصل عليها سيناتور أمريكي، وإنما بما تكشفه من حجم الاهتمام المصري بالتحكم في الملفات التي تمس مستقبل السودان. فالسودان المستقل والقوي قد يقلص مساحة النفوذ المصري، بينما يبقى السودان الضعيف والمنهك سياسياً واقتصادياً أكثر قابلية للاحتواء والتأثير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.