انتهى الدرس يا غبي.. البلابسة بين سراب الحسم العسكري وعمى البصيرة
انتهى الدرس يا غبي..
البلابسة بين سراب الحسم العسكري وعمى البصيرة
✍️بقلم أحمد عثمان محمد المبارك
حين تتهاوى الركائز الدولية، وتتساقط خيارات التكتيك السياسي كأوراق الخريف، لا يتبقى أمام السلطة المأزومة سوى مواجهة الحقيقة العارية. فالمسألة لم تعد اليوم متعلقة بمدى قدرة عبد الفتاح البرهان على إدارة الصراع، بل بالسؤال الأهم وهو كيف استنفد الرجل آخر أوراقه الاستراتيجية؟ فبين اتهامات حاصرت شرعيته، وتداعي توازنات الخماسية التي رفعت الغطاء عن مشروعه، يجد جنرال القصر نفسه في أضيق زوايا الميدان، جارفاً معه كل من راهن على سراب بقائه ومارس التمرد على حتمية التغيير.
ينبئنا تاريخ الصراعات المسلحة والتحولات السياسية بحقيقة ثابتة، وهي أن الأطراف التي تعتمد في بقائها على توازنات تحالفية هشّة وتكتيكات إطالة أمد الحرب بدلاً من الركائز السياسية والشعبية الصلبة، تنتهي حتماً إلى نقطة انغلاق استراتيجي لا مناص منها. ويبدو اليوم أن عبد الفتاح البرهان قد وصل بالفعل إلى هذه النقطة الحاسمة، حيث تشير كافة المعطيات الميدانية والسياسية إلى أنه يمر بالمراحل الأخيرة من رحلة الهبوط الحر، ومعه كل من اختار الرهان على بقائه وتوهم أن سفينته المتهالكة قادرة على بلوغ بر الأمان…
لم يكن صعود البرهان إلى سدة السلطة نتاج مشروع سياسي متكامل أو رؤية وطنية جامعة، بل كان وليد الفراغ وتكتيكات الموازنة بين مراكز القوى. فعلى مدى سنوات الماضية، اعتمدت استراتيجية اللعب على التناقضات، واستهلاك الوقت، واستغلال حالة التشظي بين القوى المدنية، إلى جانب الرهان على غطاء إقليمي ودولي يتيح له البقاء كطرف رئيسي في أي معادلة قادمة.. ومع طول أمد النزاع وتفاقم الفاتورة الإنسانية والاقتصادية، تفككت هذه الركائز الواحدة تلو الأخرى، ولم يعد بمقدور التكتيكات المرحلية خنق الواقع الشاخص، حيث أدرك الجميع أن تكلفة استمراره باتت أعلى بكثير من تكلفة الذهاب إلى ترتيبات جديدة تضع حداً لهذه المأساة.
وقد جاء سقوط الرهانات الإقليمية والدولية وتداعي المبادرات التيسيرية، وما يُعرف بالخماسية والتفاهمات المحيطة بها، ليُشكل الضربة القاضية التي رفعت الغطاء السياسي تماماً عن قيادة الجيش. وتحولت الرؤية الدولية بوضوح نحو اقتناع تام بأن استمرار الوضع الراهن لم يعد يعني مجرد إبطاء للتحول المدني، بل أصل العلة في تفتيت الدولة وتوليد الانتهاكات. ومع تصاعد الاتهامات الأخيرة المتعلقة باستخدام السلاح الكيميائ (القوة المميتة) كأحد اعظم جرائم الحرب، وبتسهيله عودة عناصر النظام البائد للسيطرة على القرار العسكري والسياسي، فقدَ البرهان آخر أوراق المناورة الدولية، وأصبح التعامل معه يشكل عبئاً أخلاقياً وسياسياً لا تستطيع أي دولة تحمل تبعاته، مما أدى إلى انكشافه التام وفقدانه لشرعية الأمر الواقع التي كان يتحصن خلفها.
هذا الانكشاف الخارجي تزامن مع تآكل حاد في التماسك الداخلي، حيث تسببت الاتهامات الموجهة للقيادة بسوء إدارة العمليات وتفضيل الحسابات السياسية على حماية المواطنين في إحداث شرخ عميق بين القيادة والقواعد الداعمة. وفي الأزمات التاريخية الكبرى، يمثل الرهان على الأشخاص وتجاهل إرادة الشعوب خطأ استراتيجياً قاتلاً، وهو ما يفسر المصير المحتوم الذي ينتظر كل من راهن على البرهان. فالحركات المسلحة التي ربطت وجودها بسلطة أصبحت بلا شرعية ولا قدرة على حمايتها، والتيارات السياسية التي اعتمدت على البندقية لإعادة رسم المشهد، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع يفرض عزلتهم وسقوطهم المتتابع.
ولعل الفئة الأكثر إثارة للشفقة في هذا المشهد المتردي هم أولئك الذين أُطلق عليهم سودانياً اسم (البلابسة)، الذين غُيب عقلهم السياسي وساقهم التعصب الأعمى للتهليل الخالي من أي وعي أو بصيرة لكافة قرارات البرهان. لقد تحول هؤلاء إلى مجرد بوق يستنسخ خطابات التعبئة الخاوية، يبررون الهزائم، ويشرعنون أخطاء القيادة العسكرية، ويغلقون أعيُنهم عن الكارثة الإنسانية والوطنية التي تحيط بالبلاد. فقد راهن (البلابسة) على سراب الحسم العسكري وأوهام البقاء القسري، محولين الولاء الوطني إلى تجارة بالهتاف والتصفيق للهاوية. ومع تهاوي المركز وغرق القيادة في أزماتها الدولية والميدانية، يجد هؤلاء أنفسهم اليوم يعيشون إفلاساً أخلاقياً وسياسياً كاملاً؛ فقد تخلت عنهم المعطيات، وانكشفت زيف هتافاتهم، وتحولت أوهامهم إلى واقع مرير يضعهم في خانة الشركاء في التغرير بالشعب وتعميق أزمته، ليواجهوا المصير القاسي لكل من صفق للباطل وظن أن الصوت العالي يحمي المشروعات المنهارة.
إن الوصول إلى نهاية الطريق لا يعني بالضرورة حداً زمنياً يقاس بالأيام، بل يعني غياب أي أفق استراتيجي للبقاء، فالبرهان اليوم يواجه معادلة صفرية لا يستطيع فيها حسم المعركة عسكرياً، ولا يملك القدرة على فرض السلام بشروطه بعد فقدانه للثقل التفاوضي وانفضاض الداعمين من حوله لإنقاذ مصالحهم الذاتية.
واخيرا فإن المنطق التاريخي يؤكد أن كل من يتمرد على الحق وتطلعات الشعوب المشروعة في العدالة والحرية، متخذاً من السلطة المجردة والتهليل الزائف ملجأ لفرض الأمر الواقع بالقوة، يتجه بثبات نحو سقوط يفرزه الواقع الميداني وتمليه حتمية التغيير.
…انتهى الدرس…