خدعة البرهان.. الجديدة!!

مقال الخميس

خدعة البرهان.. الجديدة!!

(يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) صدق الله العظيم

د. عمر القراي

خرج البرهان على السودانيين، بتصريح جديد، يختلف عما كان يروج له، هو وحكومته، وإعلامه، وإعلام الحركة الإسلامية، التي كانت ولازالت، توجه كل خطواته. فقد قال إنه “لا وجود لأي قيد قانوني، أو ملاحقة جنائية، تطال تحالف (صمود)، أو تطال أي ناشط، أو معارض سياسي، وأن أبواب السودان مفتوحة للجميع”. وذكر أن “المرحلة القادمة” تستدعي: “الوفاء الكامل والإخلاص لمشروع ثورة ديسمبر المجيدة بكل استحقاقاته وأهدافه الوطنية الحقة”. كما ذكر أن “المرحلة القادمة” ستكون “قطيعة كاملة مع إرث الهيمنة الايديولوجية والوصاية السياسية وخالية تماماً من سطوة المليشيات ونفوذها”. وأكد على أن الدولة “ستقوم على أسس المدنية الديمقراطية الكاملة التي تعبر عن إرادة السودانيين وتطلعاتهم”.
وكون البرهان يكذب في هذا الحديث، كما ظل يكذب في كل ما يقول، أمر في غاية البداهة. ولكن يجب أن يسأل عنه، حتى يُحمّل مسؤولية قوله وفعله. فلا يمكن أن يخرج فجأة، ليخبرنا بأنه لا توجد ملاحقة قانونية لأعضاء “صمود”. لأن هناك بلاغات فتحت، بواسطة النيابة العامة، ووُجهت تهم تصل عقوبتها الإعدام، ضد قادة “صمود” بأسمائهم. وهذه البلاغات لا تُلغى بخطاب سياسي، وإنما يجب أن يخرج النائب العام، ويخاطب الرأي العام، ويقوم بشطب البلاغات، ويوضح لماذا شطبها؟ هل كانت التهم خطأ؟ وكيف ثبتت عنده أول مرة؟ وكيف عرف الآن أنها خطأ؟ ثم لا بد أن يخاطب “الانتربول”، بهذا الرأي الجديد، لأنه سبق أن طلب منه اعتقالهم. فالأمر ليس لعب أطفال، حتى يلغيه البرهان، تمهيداً لخدعته الجديدة.
وهل فعلاً سيخلص البرهان، لمشروع ثورة ديسمبر المجيدة، بكل استحقاقاته؟! لقد قامت الثورة ضد حكومة البشير، وأعوانه، ومنهم مطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، ومن استحقاقات الثورة، أن يُسلّموا لها، فهل سيفعل البرهان ذلك؟ ومن استحقاقاتها، محاكمة من ارتكب مجزرة فض الاعتصام، التي تمّت والبرهان رأس الدولة، والمسؤول الأول، عن كل ما حدث فيها، فهل يقبل البرهان أن يُقدّم للمحاكمة على هذه الجريمة؟! ومن استحقاقات الثورة، تحديد الجهة التي قتلت شهداء الثورة بالرصاص في الشوارع، ومحاسبتها، فهل سيقدم البرهان أسماء كتائب الإخوان المسلمين، وعملاء الاستخبارات، وقناصي الجيش، الذين قتلوا الشبان والشابات الأبرياء، قبل وبعد سقوط حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير؟!
أما حديث البرهان عن أن المرحلة المقبلة، ستكون ” قطيعة كاملة مع إرث الهيمنة الايديولوجية، والوصاية السياسية، وخالية تماماً، من سطوة المليشيات، ونفوذها” فهي كذبة بلقاء!! ولكن يحق لكل من يسمعها التساؤل: هل كان الوضع الماضي والحاضر، هو عهد الهيمنة الايديولوجية، والوصاية السياسية، وعهد سطوة الميليشيات؟! وما هي الهيمنة الايديولوجية التي يريد البرهان أن يخلصنا منها؟! أليست هي هيمنة الحركة الإسلامية، وما هي الميليشيات التي يريد أن يحررنا من سيطرتها ونفوذها، أليست هي مليشيات الاخوان المسلمين، والمتطرفين المهووسين؟! لماذا يريد البرهان أن يحررنا منها في المرحلة المقبلة؟! هل كانت سيئة ومتناقضة مع ثورة ديسمبر المجيدة؟! ألأنها هي التي أشعلت الحرب، التي قتلت آلاف السودانيين، وشردت بين اللجوء والنزوح ملايين السودانيين، الأبرياء، الشرفاء؟! وما دامت بهذا السوء البليغ، لماذا سمح بها منذ البداية؟! وهل سماحه بها، يعد شراكة معها في جرائمها أم لا؟! إن عدد المليشيات المسلحة اليوم، قد تجاوز 100 مليشيا، فهل سيجرّدها البرهان كلها من السلاح، حتى يحرّرنا من نفوذها وسيطرتها؟! وماذا عن الجيش؟ هل سيحرّره من الهيمنة الايديولوجية للحركة الإسلامية، فيبعد قادة الجيش من الإخوان المسلمين، ويبدأ بالفريق أول ركن ياسر العطا، وهو رئيس هيئة الأركان للقوات المسلحة السودانية، لأنه قال في تسجيل فيديو “أنا ذاتي كوز”؟!
أما تأكيد البرهان على أن الدولة ستقوم على “أسس المدنية الديمقراطية الكاملة التي تعبر عن إرادة السودانيين وتطلعاتهم” فيواجهه السؤال: هل يعني بذلك إنه لن يكون الجيش مشاركاً في الحكومة، وأن نظام الحكم سيقوم على الديمقراطية الكاملة؟! وإذا كان البرهان لم يقبل مشاركة المدنيين للجيش في الحكم بعد الثورة، وقام بانقلاب 25 أكتوبر 2021م، وأودع شركاءه من المدنيين السجون، فهل سيقبل أن يحكم المدنيين وحدهم دون شراكة الجيش؟! وهل سيقبل أن يحاكم على انقلابه على عهده مع المدنيين، وتحويل الحكومة المشتركة وفق الوثيقة الدستورية الى حكومة عسكرية دكتاتورية؟! أم أن الصفقة كلها تقوم على اعفائه من جرائمه؟!
ولأن الخدعة ليست من أفكار البرهان، وإنما هي من كيد الإخوان المسلمين، فقد سمعنا تصريحات المصباح أبو زيد، قائد كتائب البراء بن مالك الإرهابية، وهو يقول: “الحمد لله عدنا الى حياتنا المدنية نحمل في قلوبنا امتنانا كبيراً لكل ما مضى وأملاً كبيراً بما هو القادم وسنمضي بخطى ثابتة نحو أيام أجمل مليئة بالسلام والعمل والبناء لحاضر الوطن ومستقبله والحمد لله على البدايات الجديدة” فلماذا وضعت كتائب البراء السلاح، ولماذا حلّت نفسها، وعاد أفرادها مواطنين مدنيين، وهي لم تقض بعد على الدعم السريع كما وعدت؟! لماذا قبلت السلام الآن، وقد رفضته مرات، وأهدرت بسبب ذلك الرفض، أرواح شباب منها، وشباب ورجال ونساء وأطفال من بقية السودانيين؟! فإذا كانت الحرب حرب كرامة، وجهاد، وقتال الدعم السريع، والقضاء التام عليه، حق وواجب وطني، فما جزاء من ينكص عنه في الدنيا والآخرة؟! وإذا كانت الحرب خلافاً سياسياً، ويمكن استبدالها بتكتيك آخر، كالسلام والبناء، كما ذكر قائد كتائب البراء بن مالك، فهل هذا الرأي الجديد، يعفي أصحابه، من مسؤوليتهم في إشعال الحرب، وقتل آلاف الأبرياء من المدنيين، بسبب خلاف سياسي حول كراسي السلطة؟! هل يعفي الحديث عن السلام الآن، أصحابه من استعمالهم للسلاح الكيميائي، وقتل وتشويه خصومهم السياسيين، من الدعم السريع، أو غيرهم من المواطنين الأبرياء؟! لقد خفت صوت دعاة الحرب، ولم نعد نرى الناجي مصطفى، والناجي عبد الله يستنفرون الشباب للقتال، ويعدونهم بالجنة، بل ظهر الناجي عبد الله، في تخريج ابنه طبيباً من جامعة أنقرة بتركيا، حيث كان يدرس آمناً، بعيداً عن ويلات الحرب، بينما كانوا أبوه يحرّض غيره من أبناء البسطاء الذين هم في عمر أبنه للقتال، ليموتوا فيها، فهل كان ناجي عبد الله، يؤمن حقاً بأن حربهم ضد الدعم السريع، جهاد في سبيل الله، وأن من يقتل فيها شهيد، ويدخل الجنة، ولكنه فضل لابنه شهادة الطب، على الشهادة في سبيل الله؟!
وحتى تكتمل الخدعة، انبرى الإخوان المسلمون، واعلامهم المأجور، يرّوجون لها. فذكر عثمان كِبر نائب الرئيس المخلوع البشير، أنه لا يمكن استبعاد الحركة الإسلامية من الحوار، والمشاركة السياسية، وأن هذه مؤامرة دولية ضد الحركة الإسلامية. كما ذكر ضياء الدين البلال، أنه لا يمكن إقصاء الإسلاميين، وانهم جزء من المعادلة السياسية المقبلة، وأن محاولة السياسيين إبعادهم، عمل غير واقعي، لا سيما بعد الدور البطولي الذي لعبوه إلى جانب قوى أخرى، خلال حرب الكرامة. فإذا كانت الحرب حرب كرامة، فلماذا يريدون إيقافها الآن، قبل شرطهم السابق في القضاء على الدعم السريع؟! وإذا لم تكن حرب كرامة، ألا يكفي خداعهم للشعب، بأنها حرب كرامة، ليبعدهم عن المشاركة في العمل السياسي، بعد وقفها؟!
إن هدف الخدعة، التي ساقت في ركابها “الخماسية”، بكافة الأساليب، أيضاً، وتريد ان تضلل الرأي العام العالمي، كما ضللت الإقليمي، ثم تريد خداع السودانيين أنفسهم، هي غض الطرف، عن جرائم الحركة الإسلامية، وإعادتها للمشاركة، بعد أن ادعت أنها حلّت كتائبها، وأصبحت حزب سياسي عادي. وبمجرد السماح لهم بالعمل، والمشاركة، تتحرك كتائبهم التي تنوم الآن، وتشهر سلاحها، وتنقلب على المدنية، وتعيدهم للسلطة مرة أخرى، ليصفوا خصومهم، بوحشية، وبربرية، ويحكموا قبضتهم من جديد.
فإذا كان البرهان جاداً في السلام، وفي تحقيق متطلبات ثورة ديسمبر المجيدة، فليبدأ بقبول الهدنة التي طرحتها امريكا. ثم يقوم أثناءها بإعلان حل المليشيات، وتسلّم سلاحها، ونشر ذلك في وسائل الإعلام، حتى يكتمل حل أكثر من 100 مليشيا، ثم بعد ذلك يعلن عن كيف يريد للحوار السوداني، أن يسير، وقد أعلنت اطرافه جميعها، أنها لا تقبل مشاركة المؤتمر الوطني، والحركة الإسلامية وواجهاتها، في هذا الحوار، أو في مستقبل السودان. فإن كان جاداً فيما قال عن إنهاء الهيمنة الايديولوجية، فسيقبل هذا الشرط، وإن لم يقبله، دل على انه يخادع، ولا يتنازل حقيقة عن الإخوان المسلمين، ولا عن مشروعهم للعودة لحكم السودان مرة أخرى.

13 أغسطس 2026م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.