حُضن الوطن الزائف.. حين تتحول العودة إلى فخٍّ للتبعية؟!

 

الباشا طبيق

حُضن الوطن الزائف.. حين تتحول العودة إلى فخٍّ للتبعية؟!

 

كثر الحديث مؤخرًا عن «حضن الوطن» وترحيبه بالعائدين، وكأن الوطن أبوابٌ مفتوحة بالدفء والأمان، وكأن العودة إليه تعني بالضرورة استعادة الكرامة والحقوق والطمأنينة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أيُّ وطنٍ هذا الذي يتحدثون عن حضنه؟ وأيُّ أمانٍ يُرجى من حضنٍ تحكمه عقلية الإقصاء والتخوين؟

هل هو حضنٌ دافئ يحتضن أبناءه جميعًا دون تمييز، ويحفظ كرامتهم وحريتهم وحقوقهم؟ أم حضنٌ يُراد له أن يكون غطاءً للذل والإهانة والتبعية، ووسيلةً لإعادة إنتاج منظومة قديمة رفضها السودانيون وثاروا عليها؟

الوطن الحقيقي لا يُختزل في جغرافيا أو شعارات، ولا يصبح وطنًا لمجرد أن من يسيطر عليه رفع راية الوطنية. الوطن دولة مواطنة، وعدالة، وحرية، ومساواة، وكرامة إنسانية، وحقوق متساوية لجميع أبنائه. أما حين يسيطر على القرار أصحاب المصالح والانتهازيون، وتصبح الوطنية تهمةً تُمنح لمن يوافق وتُسحب ممن يختلف، فإن الحديث عن «حضن الوطن» يصبح مجرد شعار للاستهلاك السياسي.

والأكثر إيلامًا أن بعض من يُطلب منهم العودة اليوم هم أنفسهم الذين جرى بالأمس القريب تخوينهم ووصفهم بالأجانب و«عربان الشتات» و«أولاد الضيوف»، بل وصدرت بحق حواضنهم الاجتماعية وأهلهم وعشيرتهم خطابات تهديد ووعيد. فكيف يمكن لمن ذاق مرارة الإقصاء والتخوين أن يصدق فجأة أن الأبواب قد فُتحت له بدافع المحبة والوطنية؟

السؤال الحقيقي لكل من عاد إلى ما يُسمى «حضن الوطن»: هل وجدتم الحضن الذي وُعدتم به؟ هل وجدتم الأمان والكرامة والحقوق التي قيل لكم إنها في انتظاركم؟

إن كانت الإجابة مختلفة عن الوعود، فلابد من مراجعة المشهد بصدق وشجاعة، بعيدًا عن العاطفة والضغوط والإغراءات.

فالعودة ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر؛ إنها قرار قد تترتب عليه تبعات سياسية واجتماعية وإنسانية عميقة. وعندما تأتي الدعوات للعودة مقرونة بوعودٍ مالية أو تسوياتٍ فردية أو «توفيق أوضاع»، ينبغي التعامل معها بعقلٍ مفتوح وحذرٍ شديد، لأن الوعود الشخصية لا يمكن أن تكون بديلًا عن ضماناتٍ حقيقية تحفظ الحقوق والكرامة.

قد يبدأ الأمر باتصالٍ ودي، ثم وعودٍ براقة، ثم تطميناتٍ كثيرة، وقد يبدو في أيامه الأولى وكأنه «شهر عسل»، لكن سرعان ما تظهر حقيقة الترتيبات إذا لم تكن قائمة على ضمانات واضحة واحترام كامل للإنسان وحقوقه.

والأخطر من كل ذلك أن يجد الإنسان نفسه بعد فوات الأوان وقد خسر ثقة رفاقه ومجتمعه، وأصبح أسيرًا لتسويةٍ لم تحقق له ما كان يحلم به، وربما وجد نفسه مستخدمًا في صراعٍ لم يختره، أو أداةً في مشروعٍ يتعارض مع قناعاته ومبادئه.

لذلك، قبل أن يتخذ أي إنسان قرار العودة، عليه أن يجلس مع نفسه بعيدًا عن الضغوط، وأن يقرأ الواقع لا الوعود، وأن يسأل عن الضمانات لا الشعارات، وعن الحقوق لا الامتيازات المؤقتة.

وتذكروا دائمًا أن كرامة الإنسان ليست سلعةً للمساومة، وأن الوطن الحقيقي لا يطلب منك أن تعيش ذليلًا حتى يثبت أنك وطني، ولا يطلب منك التخلي عن كرامتك حتى يمنحك حق الانتماء إليه.

السودان الذي يستحق العودة إليه هو السودان الذي يتسع للجميع؛ سودان المواطنة والحرية والعدالة والمساواة، لا سودان التخوين والإقصاء والتبعية.

فالوطن ليس حضنًا مزيفًا يُفتح ويُغلق وفقًا للمصلحة السياسية، وإنما هو عقدٌ بين الدولة والمواطن، أساسه الكرامة والحقوق والواجبات المتساوية.

وفي النهاية، لكل من يقف أمام قرار العودة: لا تجعل الخوف أو الإغراء أو ضغط اللحظة يقرر مصيرك. فكّر في العواقب، واحفظ كرامتك، وتمسّك بحقك في وطنٍ يعاملك كمواطن كامل الحقوق، لا كتابعٍ أو أداةٍ في يد أحد.

نيالا

الخميس

13 أغسطس

2026 م

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.