كيف ترتقي الأمم إذا أهانت معلّميها؟ .. حادثة مدرسة التدريب النموذجية في كرري بين حقّ التلميذ وحرمة المعلّم

 

​مهدي داود الخليفة
​ليست حادثة الاعتداء على أحد المعلمين بمدرسة التدريب النموذجية بمحلية كرري مجرد خلاف بين ولي أمر ومعلم، ولا ينبغي أن تُختزل في سؤال: من صفع من؟
​فالمسألة، في جوهرها، أعمق من ذلك بكثير؛ إنها تتصل بصورة المدرسة في المجتمع، ومكانة المعلم، وحقوق الطفل، وهيبة القانون، وتأثير الحرب على منظومة التربية والتعليم في السودان.
​وبحسب الروايات المتداولة، بدأت الواقعة بعد تعرض أحد التلاميذ، وهو في الرابعة عشرة من عمره، لعقاب بدني من أحد المعلمين، ثم حضر ولي أمره إلى المدرسة واعتدى على المعلم، وتطورت الأحداث إلى التهديد وإشهار السلاح، وفق ما ورد في بيانات وشهادات منشورة.
​وبينما تتطلب التفاصيل المتنازع عليها تحقيقاً مستقلاً ومحايداً، فإن هناك مبادئ لا ينبغي أن تكون محل خلاف.
​أول هذه المبادئ أن ضرب التلميذ مرفوض تربوياً وقانونياً.
​وثانيها أن الاعتداء على المعلم أو تهديده بالسلاح مرفوض كذلك، ولا يمكن أن يكون رداً مشروعاً على خطأ تربوي.
​لقد تجاوز الفكر التربوي الحديث منذ زمن طويل فكرة أن الضرب وسيلة فعالة للتربية.
​فالعقاب البدني قد يفرض الطاعة بالخوف، لكنه لا يبني بالضرورة الانضباط الداخلي، ولا يغرس احترام القانون، ولا يساعد الطفل على فهم خطئه وتصحيحه.
​بل قد يعلّمه أن القوة هي الوسيلة لحسم الخلافات.
​ومن هنا فإن منع الضرب في المدارس لا يعني تجريد المعلم من سلطته، بل يعني إعادة تعريف السلطة التربوية لتقوم على القدوة والحوار والانضباط والاحترام، لا على الألم والخوف.
​لكن الاعتراف بحق الطفل في الحماية من العنف لا يعني مطلقاً منح ولي الأمر حق أخذ القانون بيده.
​إذا أخطأ المعلم، فهناك إدارة المدرسة والجهات التعليمية والشرطة والنيابة والقضاء.
​أما أن يتحول ولي الأمر إلى قاضٍ ومنفذ للعقوبة في آن واحد، فإننا ننتقل من مخالفة تربوية إلى فوضى قانونية ومجتمعية.
​وهنا يجب التأكيد على حقيقة أساسية: المعلم ليس فوق القانون، لكنه أيضاً ليس بلا حرمة.
​إذا أخطأ المعلم، يجب أن يُحاسب.
​وإذا اعتدى على تلميذ، يجب أن يخضع للمساءلة.
​ولكن محاسبته لا تعني إهانته، ولا تمنح أحداً الحق في ضربه أو تهديده أو التشهير به.
​فهناك فرق جوهري بين المساءلة القانونية والإهانة الشخصية.
​والأخطر من الاعتداء ذاته هو دخول السلاح إلى المدرسة.
​فالمدرسة يجب أن تكون من أكثر الأماكن أمناً في المجتمع، لأنها المكان الذي يضع فيه الآباء أبناءهم وهم مطمئنون إلى سلامتهم.
​فإذا أصبح السلاح وسيلة لحسم خلاف بين أب ومعلم، فإننا لا نكون أمام مشكلة فردية فحسب، وإنما أمام واحدة من أخطر نتائج الحرب: تطبيع العنف وعسكرة الحياة المدنية.
​فالطفل الذي يرى السلاح داخل المدرسة قد يتعلم درساً أخطر من أي درس في الكتاب: أن القوة أقوى من القانون.
​وهنا تتضاعف مسؤوليتنا تجاه المعلم السوداني، خصوصاً في ظل الحرب التي مزقت البلاد منذ أبريل 2023.
​فقد أغلقت مدارس كثيرة، ودُمرت مؤسسات تعليمية، ونزح ملايين المواطنين، واضطر عدد كبير من المعلمين إلى الهجرة أو النزوح، خاصة في مناطق الحرب.
​ومع ذلك ظل كثير من المعلمين في مواقعهم، يؤدون رسالتهم في ظروف بالغة القسوة، رغم فقدان المنازل والممتلكات، وتشتت الأسر، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
​إن المعلم الذي بقي في السودان، ويذهب إلى مدرسته في ظل الحرب، و يقف أمام تلاميذه ليقول لهم إن العلم والمستقبل ما زالا ممكنين، لا يؤدي وظيفة عادية؛ إنه يؤدي رسالة وطنية.
​ولهذا فإن تقدير المعلم واحترامه في هذه الظروف ليس مجاملة، وإنما ضرورة وطنية.
​ولكن احترام المعلم لا يعني تبرير أخطائه.
​فالمعلم بشر وقد يخطئ، وقد يستخدم أسلوباً تربوياً غير مناسب.
​وإذا أخطأ، فإن المطلوب هو تدريبه ومحاسبته وإصلاح الخلل، لا تحطيم مكانته أمام تلاميذه.
​وبالمقابل، فإن حماية التلميذ لا تعني السماح لولي الأمر بإهانة المعلم أو الاعتداء عليه.
​المعلم يحتاج إلى الحماية، والتلميذ يحتاج إلى الحماية، وكلاهما يحتاج إلى دولة القانون.
​ومن هنا ينبغي أن تكون حادثة كرري مناسبة لمراجعة منظومة حماية المدارس في السودان، من خلال وضع آليات واضحة لشكاوى الطلاب وأولياء الأمور، وتدريب المعلمين على أساليب الانضباط الإيجابي وإدارة السلوك، وتوفير حماية قانونية لهم أثناء أداء واجبهم، ومنع دخول الأسلحة إلى المؤسسات التعليمية منعاً باتاً، مع ضمان التحقيق في أي شكوى ضد معلم أو تلميذ بصورة عادلة وشفافة.
​إن السؤال الحقيقي ليس: هل نقف مع المعلم أم مع التلميذ؟
​السؤال الصحيح هو: هل نقف مع القانون والتربية والكرامة الإنسانية؟
​لا ينبغي أن نبرر ضرب التلميذ، كما لا ينبغي أن نبرر ضرب المعلم.
​ولا ينبغي أن نسمح بأن يتحول الخلاف التربوي إلى عنف أسري، أو يتحول الغضب إلى سلاح.
​فالأمم لا ترتقي فقط بالجامعات والمباني والمناهج، وإنما ترتقي حين تحترم الإنسان الذي يبني الإنسان.
​كيف ترتقي الأمم إذا أهانت معلّميها؟
​فلنحفظ للطفل حقه في الأمان، وللمعلم حقه في الكرامة، ولولي الأمر حقه في الشكوى، وللدولة واجبها في تطبيق القانون.
​ولنجعل من المدرسة مكاناً يتعلم فيه أطفالنا درساً أهم من كل المناهج: أن الخطأ يُعالج بالقانون، والخلاف يُحل بالحوار، والسلطة مسؤولية، والسلاح لا مكان له في المدرسة، والمعلم ـ حتى عندما يخطئ ـ يُحاسب ولا يُهان.
​فإذا كنا نريد بناء سودان جديد، فعلينا أن نبدأ من المدرسة؛ وإذا كنا نريد بناء إنسان جديد، فعلينا أن نحترم المعلم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.