أيهما الأهم: التحرر الوطني أم التحرر العقلي؟ تأمل في جدلية الأولويات وأثرها في مشروع النهضة الإفريقية.

 

أيهما الأهم: التحرر الوطني أم التحرر العقلي؟ تأمل في جدلية الأولويات وأثرها في مشروع النهضة الإفريقية.

د. صابر ابوسعدية (افريكا)

(المديرالتنفيذى لمركز ابنتو للسلام والدراسات الاستراتيجية)

52 يوليو 2026

مقدمة: سؤال الأسبقية

على مدار قرن من الزمان، ظل المفكرون والناشطون في العالم العربي والإفريقي يتجادلون حول سؤال محوري: هل نناضل أولاً لتحرير الأرض من الاحتلال والاستبداد الاستعماري، أم نناضل أولاً لتحرير العقل من التخلف والتبعية والهيمنة الثقافية الداخلية والخارجية؟ هل نبدأ بـ “التحرر الوطني” (تغيير الأنظمة السياسية، إنهاء الاستعمار، بناء الدولة المستقلة)، أم نبدأ بـ “التحرر العقلي” (تحرير الفكر من القوالب الجاهزة، استعادة الثقة بالذات واللغة والثقافة، نقد أنماط التفكير المستوردة)؟

هذا المقال هو الأول في سلسلة مقالات عن دور التحرر العقلي في دفع عجلة التحرر الوطني (والعكس) في إفريقيا على وجه العموم، والسودان (شمالاً وجنوباً) على وجه الخصوص. يركز الجزء الأول على التعريفات والمقارنة البسيطة لتسهيل الفهم للقارئ الكريم. أما الجزء الثاني، فيتناول نماذج من التجارب الإفريقية، ثم يسلط الجزء الأخير الضوء على شعار “تحرير لا تعمير” في التجربة السودانية (شمالاً و جنوباً).

التحرر الوطني – ضرورة تاريخية

عرف المفكر والمناضل الماركسي مهدي عامل “التحرر الوطني” بأنه:

“في حقيقته التاريخية والنظرية تحرر من بنية علاقات الإنتاج الكولونيالية، لأن الوجود الفعلي للسيطرة الامبريالية يكمن في وجود هذه البنية من علاقات الإنتاج، أي إن هذه البنية هي القاعدة المادية لوجود السيطرة الامبريالية ولتجددها المستمر. فلا زوال لهذه السيطرة إلا بزوال قاعدتها المادية التي تولدها باستمرار في حركة تجددها الدائم…”

التحرر الوطني يعني استعادة السيادة على الأرض والموارد والقرار السياسي. يعني إنهاء الاستعمار المباشر أو غير المباشر، والإطاحة بالأنظمة الاستبدادية التي تخدم مصالح خارجية، وبناء دولة مستقلة ذات سيادة.

حجج أنصار أسبقية التحرر الوطني

أولاً: لا تحرر عقلي تحت الاحتلال

كيف يمكن لشخص تحت الاحتلال أو تحت حكم ديكتاتوري أن يحرر عقله؟ القمع السياسي، غياب حرية التعبير، السيطرة على المناهج والإعلام، كلها تجعل أي محاولة للتحرر العقلي مستحيلة. يجب أولاً إزالة القيود السياسية والمادية ليصبح العقل حراً.

ثانياً: الأرض هي الوعاء المادي للوجود

يرى الوطنيون أن الهوية ترتبط بالأرض. فقدان الأرض يؤدي إلى فقدان الهوية، فاللاجئ، مثلاً، حتى لو كان متحرراً فكرياً، يعيش في حالة اغتراب دائمة. الأرض أولاً، ثم يأتي البناء الفكري فوقها.

ثالثاً: تجارب تاريخية تؤكد الأسبقية

حركات التحرر في الجزائر، فيتنام، وجنوب أفريقيا، بدأت بالنضال المسلح والسياسي أولاً، وبعد الاستقلال جاءت محاولات بناء الوعي الوطني والتحرر الثقافي.

نقطة ضعف رئيسية

لكن هذا الرأي يتجاهل أن الثوار أنفسهم يحتاجون إلى وعي متحرر. فهل يمكن لحركة تحرر وطني أن تنجح إذا كان أفرادها لا يزالون يفكرون بعقلية المستعمر؟ التاريخ يزخر بحركات تحرر فشلت لأن قادتها كانوا أسرى لصورة العدو، أو كانوا يحلمون بأن يصبحوا مثل المستعمر السابق. وكما لاحظ فرانز فانون في كتاب”معذبو الأرض”، قال : “البرجوازية الوطنية التي تتولى السلطة بعد الاستقلال غالباً ما تحلم بأن تحل محل الطبقة الاستعمارية، لا أن تبني مجتمعاً جديداً” .

التحرر العقلي – شرط أساسي

التحرر العقلي يعني تحرير العقل من القوالب الجامدة والتصورات المسبقة والهيمنة الثقافية. يعني أن يفكر الإنسان خارج إطار الضيق والمناطقية، وأن يستعيد الثقة بمعرفته المحلية ولغته وثقافته، وأن يتحرر من “عقدة النقص” تجاه الآخر، ومن “عقدة التفوق” على الذات أيضاً.

حجج أنصار أسبقية التحرر العقلي

أولاً: الاستعمار الحقيقي هو استعمار العقل

يقول أنغوغي وا ثيونغو في كتابه نزع استعمار العقل: “وراء المدفع كانت المدرسة الجديدة… أفضل من المدفع، جعلت الغزو دائماً. المدفع يقهر الجسد، والمدرسة تسحر الروح”. الاستعمار الحقيقي لا ينتهي بخروج الجيوش، بل يستمر طالما أن العقل لا يزال أسيراً لقيم المستعمر ولغته وأحلامه.

ثانياً: الوعي المتحرر يصنع التحرر الوطني الحقيقي

التجارب التي قامت على وعي متحرر كانت أكثر استدامة. ثورة 2019 في السودان، مثلاً، لم تكن مجرد إطاحة بنظام، بل كانت ثورة وعي بامتياز: شعاراتها، فنونها، تنظيمها الأفقي، كلها تعبر عن تحرر عقلي سبق التحرر السياسي.

ثالثاً: التحرر الوطني وحده لا يكفي

الصومال حرة منذ 1960، لكنها ظلت تعاني من حروب أهلية وإرهاب. كثير من الدول العربية “مستقلة”، لكن شعوبها لا تزال تعاني من الجهل والفقر والمرض. التحرر الوطني بدون تحرر عقلي ينتج “استقلالاً ناقصاً”، كما وصفه عزمي بشارة بـ “الدولة المنقوصة السيادة”.

نقطة ضعف رئيسية

لكن السؤال: ما هي الظروف المادية والسياسية المواتية لتحرر العقل؟ كيف يمكن لشخص جائع، يعيش تحت قمع سياسي، أن يحرر عقله؟ بعض النخب تستخدم التحرر العقلي كغطاء لعدم الانخراط في العمل السياسي المباشر، بحجة “تغيير الوعي أولاً”. هذا ما يمكن تسميته “بتحويل التحرر إلى تأمل” ، وهو موقف يذكرنا بمقولة كارل ماركس: “الفلاسفة اكتفوا بتفسير العالم، بينما المطلوب هو تغييره” .

نحو رؤية تركيبية – الجدلية بين التحررين

الحقيقة أن التحرر الوطني والتحرر العقلي ليسا متناقضين، بل هما وجهان لعملة واحدة، ومكملان لبعضهما. لا يمكن للتحرر الوطني أن يكتمل بدون تحرر عقلي، ولا يمكن للتحرر العقلي أن يتحقق في ظل غياب التحرر الوطني.

يمكن تشبيه العلاقة بـ “الجناحين” طائر بجناح واحد لا يطير. وكذلك الأمة. لو حررت الأرض واستعبدت العقول، ستعود الأرض إلى الاستعباد قريباً. وإذا حررت العقول وبقيت الأرض مستعبدة، فسيبقى العقل يصرخ ويتمزق.

جدلية “الخاص والعام”

أنغوغي يمثل “البعد الخاص” : استعادة اللغة والهوية الخاصة بالمجتمعات المستعمرة. فريري يمثل “البعد العام” : إطار عام للتحرر يمكن تطبيقه في كل سياقات القهر. هذه جدلية ضرورية: بدون البعد الخاص، يظل المشروع عاماً غير متجذر. بدون البعد العام، يظل المشروع خاصاً غير قابل للتعميم. الاثنان معاً ينتجان مشروعاً “متجذراً عالمياً” Globally Rooted .

الإجابة على السؤال: أيهما الأهم؟

الإجابة المباشرة: لا أحد منهما أهم من الآخر. كلاهما شرط لنجاح الآخر. السؤال ليس أيهما أولاً؟ بل كيف يمكن أن نعمل عليهما معاً في وقت واحد؟ في مرحلة الاحتلال المباشر، قد يكون التحرر الوطني أولوية عاجلة، لكن مع العمل السري على بناء وعي متحرر (الصحراء الغربية نموذجاً). اما في مرحلة “الاستقلال الزائف”، يكون التحرر العقلي هو الأولوية لأن العقل ما زال أسيراً. و اخيراً في مرحلة “الانتقال”، يجب العمل على المسارين بالتوازي، كما حاول السودان بعد الثورة (برامج تمكين، مناهج تعليمية جديدة، إصلاح مؤسسي، حوار وطني).

مفهوم “التحرر المتكامل”

المفكرون يقدمون مفهوماً جديداً هو التحرر المتكامل ، الذي يعني: البعد السياسى بإنهاء الاستبداد والتبعية، بناء دولة ديمقراطية، و البعد الاقتصاد بإنهاء الاستغلال، عدالة توزيع الثروات، البعد الثقافى (استعادة الثقة بالذات واللغة والتراث، نقد الثقافة المهيمنة). البعد النفسى (التعافي من صدمات القهر والاستعمار (التطهير النفسي والعقلي)، و اخيراً البعد المعرفى هو إنتاج معرفة محلية متحررة من المركزية الغربية. كل هذه الأبعاد يجب أن تعمل معاً. لا يمكن أن يتحقق أي منها بمفرده.

نماذج من التجارب الإفريقية دروس وعبر:

تجربة جنوب إفريقيا: نزع الاستعمار من العقل أولاً

ربما تكون تجربة جنوب إفريقيا هي الأكثر إلهاماً في هذا السياق. عندما تولى نيلسون مانديلا الحكم عام 1994، لم يواجه فقط تحديات سياسية واقتصادية، بل واجه أيضاً تحدياً وجودياً: كيف تبني دولة ديمقراطية في بلد مزقته عقود من الفصل العنصري؟ كان التحدي الأكبر هو “نزع استعمار العقل” من كلا الجانبين: البيض الذين ظلوا يعتبرون أنفسهم “المتحضرين” والسود الذين ظلوا يعتبرون أنفسهم “المتخلفين”. وقد تجلى ذلك في لجنة الحقيقة والمصالحة التي ترأسها ديزموند توتو، التي لم تكن مجرد أداة سياسية، بل كانت مشروعاً نفسياً وثقافياً لتحرير العقول من إرث الأبارتايد.

تجربة تنزانيا: سواحيلي كأداة تحرر

في تنزانيا، اختار الرئيس جوليوس نيريري (1961-1985) أن يكون التحرر العقلي جزءاً من مشروع التحرر الوطني. وقد تجلى ذلك في سياسة اللغة، حيث جعل اللغة السواحيلية اللغة الوطنية والرسمية، بدلاً من اللغة الإنجليزية. هذا القرار لم يكن مجرد خيار لغوي، بل كان مشروعاً ثقافياً لتحرير العقل التنزاني من عقدة النقص تجاه المستعمر البريطاني. يقول نيريري في أحد خطاباته :”يجب أن نتعلم من العالم، لكن يجب أن نفكر بأذهاننا، ونتكلم بلغتنا” .

تجربة غانا: نكروما والوعي الأفريقي

كان كوامي نكروما، أول رئيس لغانا المستقلة (1957-1966)، واحداً من أوائل القادة الأفارقة الذين أدركوا أن التحرر السياسي لا يكفي، بل لا بد من تحرر عقلي وثقافي يعيد للأفريقي ثقته بذاته. في كتابه “نحو الوحدة الأفريقية” ، كتب نكروما: “الاستقلال السياسي بدون تحرر العقل هو استقلال ناقص”. وهو ما جسده من خلال إنشاء معهد الدراسات الأفريقية في جامعة غانا، الذي كان يهدف إلى إنتاج معرفة أفريقية متحررة من النماذج الغربية.

تجربة جنوب السودان: تحرير لا تعمير؟

عندما ننظر إلى تجربة جنوب السودان التي نالت استقلالها عام 2011 بعد عقود من النضال المسلح، نجد مأساة حقيقية: الدولة الجديدة انهارت في حرب أهلية بعد عامين فقط من الاستقلال، وقتل وأصيب ونزح مئات الآلاف. كثير من المحللين يعتبرون أن أحد الأسباب الرئيسية لهذا الانهيار هو غياب مشروع التحرر العقلي الموازي لمشروع التحرر الوطني . فعلى الرغم من أن الجنوبيين كانوا متفقين على ضرورة الانفصال عن الشمال، إلا أنهم لم يتفقوا على ماذا بعد الانفصال؟ ولم يبنوا وعياً جمعياً جديداً يتجاوز الهويات القبلية الضيقة والصراع على الموارد، كما توثق دراسات عديدة حول فشل بناء الدولة في جنوب السودان.

التجربة السودانية: تحرير لا تعمير؟

شهد السودان تجربة فريدة في التاريخ الإفريقي الحديث، حيث تمتزج فيها قضايا التحرر الوطني والتحرر العقلي بطريقة معقدة. الشاهد شعار “تحرير لا تعمير” الشعار الذي طُرح في النقاشات السودانية، يختزل أزمة التحرر الوطني في السودان. فبعد الاستقلال (1956)، وبدلاً من بناء دولة مدنية ديمقراطية تعترف بتنوعها، ظلت النخب السياسية والأيديولوجية متصارعة حول هوية الدولة: هل هي عربية إسلامية أم إفريقية علمانية؟ هذا الصراع لم يحل، بل تعمق مع انقلاب 1989، حيث حاولت الحكومة الإسلاموية فرض رؤيتها على كل السودان، مما أدى إلى حروب أهلية طويلة وانفصال الجنوب.

الدرس من التجربة السودانية: أن التحرر الوطني دون مشروع تحرر عقلي متكامل قد يؤدي إلى استبدال استعمار قديم بآخر جديد (استبداد محلي، أيديولوجيا مغلقة، تهميش هوياتي). جاءت ثورة ديسمبر 2019 لتقدم نموذجاً مختلفاً: ثورة قامت على وعي متحرر، حيث كان الشعار الأبرز “حرية، سلام، عدالة” ولأول مرة في تاريخ السودان، كانت الثورة تطالب ليس فقط بإسقاط النظام، بل أيضاً بـ “تغيير العقلية” التي أنتجته. وقد تجسد ذلك في شعارات الثورة التي نقدت التمييز العنصري، والجهوية، والفساد. بالاضافة عمل تنظيم الأفقي حيث كانت لجان المقاومة تعمل بشكل لا مركزي، مما يعكس تحرراً من النماذج الهرمية التقليدية. و اخيراً المشاركة الفعالة للمرأة، لقد كانت “كنداكة” رمزاً للثورة، مما يعكس تحرراً من الثقافة الأبوية التقليدية.

لكن الثورة واجهت تحديات كبيرة، أبرزها: استمرار النخب القديمة في السيطرة على مؤسسات الدولة، وضعف البنية التحتية للتحرر العقلي (تعليم، إعلام، ثقافة)، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية التي حالت دون اكتمال مشروع التحرر الوطني والعقلي معاً.

خاتمة: نحو تحرر متكامل

سؤالنا “أيهما الأهم؟” هو سؤال نابع من عقل يحب التقسيم والأسبقية. لكن الحقيقة أن النضال من أجل التحرر يشبه بناء منزل: لا يمكنك أن تسأل “الأهم الأساس أم السقف؟” . كلاهما ضروري، وتأخر أحدهما يؤدي إلى انهيار الآخر.

في السودان اليوم، نحن في مفترق طرق. بعضنا يرى الأولوية لوقف الحرب وإعادة بناء الدولة (التحرر الوطني العاجل). وآخرون يرون الأولوية لتغيير العقلية التي أنتجت الحرب وإعادة بناء الوعي الجمعي (التحرر العقلي العميق).

لكن الصواب، كما حاولنا أن نثبت، هو أن الطريق الوحيد للخلاص هو العمل عليهما معاً، جنباً إلى جنب، دون انتظار أحدهما للآخر. لأن التحرر الكامل يعني أن نكون أحراراً في أرض حرة، بعقول حرة.

كما قال الشاعر الفلسطيني محمود درويش: “وطنٌ يبدأ من كلمة، وينتهي إلى جرح فكيف لي أن أحمله إلى الغد؟”

الغد الذي نريده لا يبدأ من استقلال سياسي فقط، ولا من تحرر عقلي فقط. يبدأ من الجمع بينهما، في مشروع متكامل يعيد بناء الإنسان والمجتمع معاً. وهذا هو التحدي الأكبر أمام السودان، وأمام إفريقيا كلها.

المصادر والمراجع

– عامل، مهدي. (1972). مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني. دار الفارابي، بيروت، ص 377.

– فانون، فرانز. (1961). معذبو الأرض. (ترجمة: د. جابر عصفور). دار التنوير، بيروت.

– وا ثيونغو، أنغوغي. (1986). نزع استعمار العقل. (ترجمة: د. عبد الرحمن الشيباني). دار الساقي، بيروت.

– بشارة، عزمي. (2012). فلسطين في العقل العربي: الدولة المنقوصة السيادة. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

– نكروما، كوامي. (1963). نحو الوحدة الأفريقية. (ترجمة: د. سمير أمين). دار الفكر الجديد، القاهرة.

– مانديلا، نيلسون. (1994). رحلة طويلة إلى الحرية. (ترجمة: د. حسام الدين إبراهيم). دار الكرمة، القاهرة.

– Mamdani, M. (1996). Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism. Princeton University Press.

– Nyerere, J. (1968). Freedom and Unity. Oxford University Press.

– Freire, P. (1970). Pedagogy of the Oppressed. Continuum.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.