من راديكالية الحزب الشيوعي الى اعلان المبادئ
من راديكالية الحزب الشيوعي الى اعلان المبادئ
✍️كتب أحمد عثمان محمد المبارك
تاريخ السودان الحديث ليس سوى متوالية متكررة من الخيبات، حيث يدور المشهد السياسي في حلقة مفرغة تبدأ بانتفاضة شعبية عارمة تُسقط نظاماً شمولياً، وتمر بانتخابات تُعيد تصدير الأحزاب التاريخية ذاتها، لتنتهي بأداء حكومي عاجز يفتح الباب مجدداً أمام الانقلابات العسكرية. هذا الفشل المتكرر في حماية الحكم المدني وفي تحويل الشعارات إلى سياسات تنموية، دفع قطاعات واسعة من المواطنين إلى الكفر بجدوى الديمقراطية الإجرائية نفسها، لذلك فإن استعادة الثقة في النظام الديمقراطي والدولة المدنية لن يتأتى بإعادة تدوير القديم، بل بطرح بديل وطني مقنع ياقطع ممارسات الماضي.
وقد جاءت ثورة ديسمبر المجيدة لتكون أعمق محاولة لكسر هذه السلسلة الخبيثة، إذ لم تكن مجرد حراك لإسقاط النظام، بل كانت زلزالاً فكرياً ونقلة نوعية في الوعي السياسي. تجلى هذا الوعي في ظهور تنظيمات غير تقليدية بدأت من الأحياء والمؤسسات، مثل لجان المقاومة والأجسام المهنية المستقلة، حيث طرح جيل شاب ديسمبر مفاهيم جديدة للمواطنة والعدالة وإصلاح مؤسسات الدولة، متجاوزاً الاستقطابات التقليدية، ومقدماً نموذجاً أفقياً للبناء القاعدي من الأسفل إلى الأعلى.
وحين نبحث اليوم عن تشكيل هذا البديل الوطني وسط الأزمة ومآسي الحرب القائمة، نجد أن المشهد السياسي قدم محاولات وطروحات مختلفة لملء هذا الفراغ. يبرز في طليعة هذه الطروحات خطابان تقليديان؛ الأول هو طرح التغيير الجذري الذي يقوده الحزب الشيوعي السوداني، والذي ينطلق من تحليل طبقي وأيديولوجي صلب يرى الأزمة في بنية النظام الاقتصادي والسياسي برمته، ويدعو لقطيعة كاملة مع الطبقة السياسية التقليدية والرفض المبدئي لأي تسوية أو شراكة مع العسكر. ويعتمد هذا المسار على الفعل الثوري المستمر عبر الشارع والنقابات، لكنه يظل محصوراً في إطار التحالفات الجبهوية ذات الصبغة الأيديولوجية الحادة، مما يجعله أقرب لكونه أداة مقاومة ورفض منها إلى مشروع لبناء دولة ديمقراطية مستقرة تستوعب الجميع.
على الجانب الآخر، يبرز نموذج الأحزاب الناشئة الشابة التي حاولت الخروج من عباءة الطائفية والأيديولوجيات المغلقة، ويُعد حزب المؤتمر السوداني مثالاً شاخصاً لهذا التجريب، من خلال سعيه للحديث بلغة الممارسة السياسية الحديثة القائمة على البرامج والحلول العملية والدخول في العمليات السياسية والتداول السلمي للسلطة.
وفي خضم محاولات التكتل وتوحيد الجبهة المدنية لمواجهة أهوال الحرب، برز تشكيل سياسي وجبهوي جديد تمثل في تحالف “صمود” وما نتج عنه من توافق ضمن “قوى إعلان المبادئ”؛ وهو ائتلاف سياسي مدني عريض انطلق في إعلانه الأخير ورؤيته السياسية من محاولة الجمع بين واقعية العمل السياسي ومبادئ ثورة ديسمبر، حيث يركز على الوقف الفوري للحرب، وتسهيل المساعدات الإنسانية، ورفض عودة نظام المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية أو إقحامهم في المستقبل السياسي، إلى جانب المطالبة بإعادة بناء الدولة على أسس التأسيس المدني الخالص وخارطة طريق تمسك بها القوى المدنية دون إملاءات من طرفي النزاع المسلح.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يمكن لـ تحالف صمود وإعلان مبادئه أن يشكل البديل الوطني المنشود؟
الواقع يقول إن تحالف صمود يمتلك مقومات جيدة تجعله كتلة حصرية ورافعة سياسية مهمة لإيقاف الحرب واستعادة المسار المدني، نظراً لقدرته على جمع أطراف راديكالية ومستقلة مع قوى مدنية وسياسية في منصة واحدة وتحديد المبادئ الحاكمة لعدم إفلات الجناة وإبعاد القوى المتسببة في الحرب. ومع ذلك، فإن اعتباره بديلاً وطنياً هادياً ونهائياً يواجه المعضلة الهيكلية ذاتها، فهو في جوهره تحالف عريض وخارطة طريق لإدارة الأزمة ووقف الحرب والتحول السياسي، وليس كياناً حزبياً برامجياً واحداً يمكن أن يخوض الانتخابات بذاته ليحكم.
إن البديل الوطني الحقيقي الذي يمكنه حماية الحكم المدني وإقناع الشارع بجدواه لن يكون مجرد جبهة سياسية لإدارة الفترة الانتقالية كتحالف صمود، ولا تكراراً لأيديولوجيات الماضي الجذري، ولا إعادة لإنتاج الأحزاب الطائفية المتهالكة، بل هو مسار مؤسسي يستفيد من هذا الزخم والائتلافات الجامعة لحماية التأسيس المدني، لتصل البلاد في نهاية المطاف إلى بناء أحزاب برامجية حديثة تولد من قواعد الثورة. أحزاب تتخلى عن الخطاب الشعاراتي، وتبني برامجها على الحوكمة والعدالة والتنمية والاقتصاد، وتخوض معترك الديمقراطية عبر صندوق الاقتراع، لتبرهن للمواطن السوداني أن خيار الحكم المدني ليس تجربة فاشلة، بل هو الطريق الوحيد لبناء دولة المؤسسات والاستقرار.