العقوبات الأخيرة تثبت فشل حلفاء البرهان الإقليمين في حمايته سياسياً، فهل يستمرون في دعمه عسكرياً؟

أواب عزام البوشي

قراءة في تداعيات العقوبات الأخيرة على مستقبل الإسناد العسكري للبرهان :-

سؤال يتردد بقوة في أذهان المراقبين والمهتمين بالشأن السوداني هذه الأيام: هل يستطيع حلفاء البرهان الاستمرار في دعمه عسكرياً بعد أن فشلوا في توفير الحماية السياسية له؟

فالحلفاء سواء الإقليميون كـمصر التي تعتبره الضامن الأكثر ترجيحاً لمصالحها، أو الدول الكبرى كـروسيا وتركيا لم يتمكنوا من إيقاق العقوبات الأمريكية والأوروبية المتتالية التي طالت البرهان وقادة نظامه. والدليل على هذا الفشل واضح ففي احتماع مجلس الأمن سابقآ ورغم محاولات بعض الدول التخفيف من حدة الضغوط، فإن القرارات الصادرة لم تمنح البرهان الغطاء الذي كان يتطلع إليه. القرار 2724 (مارس 2024) دعا لوقف القتال وضغط على الجيش، والقرار 2772 (2025) مدد ولاية فريق خبراء العقوبات، والقرار 2791 (سبتمبر 2025) جدد بالإجماع حظر الأسلحة وتجميد الأصول حتى سبتمبر 2026. هذه القرارات الثلاثة تؤكد أن الحلفاء، حتى لو أرادوا، عاجزون عن توفير الحماية السياسية المطلوبة.

وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: إذا كان الحلفاء قد خذلوا البرهان في الحماية السياسية، فهل سيكون بإمكانهم الاستمرار في تقديم الدعم العسكري له في ظل العقوبات المتصاعدة؟ هذا ما ستحاول هذه القراءة الإجابة عنه من خلال تحليل تداعيات العقوبات الأخيرة على مستقبل الإسناد العسكري للبرهان.

عقوبات تطال البرهان وعزلته الدولية :-

يواجه الفريق أول عبد الفتاح البرهان اليوم عزلة دولية غير مسبوقة، تتوالى عليها العقوبات من واشنطن ولندن وبروكسل. ففي 16 يناير 2025، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات مالية مباشرة على البرهان، متهمة إياه بأنه “باطالة أمد الحرب ” وأتهمت قواته بتنفيذ هجمات على مدارس ومستشفيات ومنع إيصال المساعدات الإنسانية. ثم تصاعدت الضغوط في 23 مايو 2025 باتهامات باستخدام أسلحة كيميائية، تلتها عقوبات إضافية في 20 يوليو 2026 بموجب قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية.

السودان.. من أزمة داخلية إلى قضية أمن قومي :-

ما يجعل قضية السودان اليوم مختلفة عن أي صراع آخر، هو موقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر، حيث يمتلك السودان ساحلاً بطول 800 كيلومتر، يطل على أحد أكثر الممرات المائية حيوية في العالم.

في ظل حرب الشرق الأوسط المشتعلة، كشفت تقارير عن علاقة متنامية بين “الكيزان” وإيران والحوثيين في اليمن. فقد استخدم الحوثيون ميناء سواكن كنقطة لوجستية لعمليات تهريب الأسلحة الإيرانية، وبنيت إيران مستودعات ومصانع أسلحة خارج بورتسودان، وتم نقل تقنيات عسكرية إيرانية إلى السودان. وهنا يكمن الخطر: قضية السودان لم تعد مجرد أزمة داخلية، بل تحولت إلى قضية أمن قومي لدول المنطقة والعالم، لأن استمرار تحالف “الكيزان” مع إيران يعني أن البحر الأحمر شريان التجارة العالمي بات مهدداً.

تصنيف الإخوان إرهابيين.. كارثة للحلفاء :-

في 9 مارس 2026، صنفت وزارة الخارجية الأمريكية جماعة الإخوان المسلمين في السودان كـ”كيان إرهابي عالمي، مع اعتزام تصنيفها كمنظمة إرهابية أجنبية واتهمت واشنطن الجماعة باستخدام العنف المفرط ضد المدنيين، وتلقي تدريبات ودعم من الحرس الثوري الإيراني.

هذا التصنيف يضع حلفاء البرهان في مأزق حقيقي، لأن أي دولة أو جهة تواصل دعم البرهان ستجد نفسها متورطة في دعم جماعة مصنفة إرهابياً. بالإضافة الى أن التصنيف يشمل أيضاً “كتيبة البراء بن مالك” التي تقاتل إلى جانب الجيش، مما يعني أن استمرار الحلفاء في دعم البرهان قد يجرهم إلى تهمة دعم الإرهاب، مع عقوبات ثانوية وتداعيات قانونية مدمرة.

تجفيف منابع الحرب.. عقوبات الذهب :-

لم تقتصر العقوبات على الجوانب السياسية والعسكرية، بل طالت شريان الحياة الاقتصادي للحرب: الذهب.

ففي 13 يوليو 2026، فرض الاتحاد الأوروبي حظراً كاملاً على شراء أو استيراد أو نقل الذهب السوداني، كما حظر بيع مادتي الزئبق والسيانيد المستخدمتين في تعدينه. وبعد ثلاثة أيام، فرضت بريطانيا عقوبات على 11 فرداً وكياناً متورطين في شبكات الذهب غير المشروعة، شملت شركات حكومية ووسيطة . ووصفت وزيرة الخارجية البريطانية الذهب بأنه “محرك اقتصاد الحرب”، مشيرة إلى أن الصادرات الرسمية بلغت 1.5 مليار دولار خلال عامي 2024-2025، بينما تهرّب مليارات أخرى عبر قنوات غير مشروعة.

هذه العقوبات تعني أن الحلفاء لن يجدوا الذهب السوداني لتمويل شراء الأسلحة، وسيواجهون صعوبة في بيعه عالمياً أو حتى استيراد مواد التعدين الأساسية، مما يشل قدرة الجيش السوداني على تمويل حربه.

هل يستمر الحلفاء في الدعم العسكري؟

هنا نعود إلى السؤال الجوهري الذي طرحناه في المقدمة: بعد هذا الفشل السياسي للحلفاء، وهذه العقوبات المتصاعدة، هل يستمر حلفاء البرهان في دعمه عسكرياً؟

الإجابة، من خلال تحليلي للمعطيات، تميل إلى “لا”، وذلك للأسباب التالية:

أولاً: حظر الأسلحة الدولي. في 12 سبتمبر 2025، جدد مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار 2791، الذي مدد نظام العقوبات بما في ذلك حظر الأسلحة على إقليم دارفور حتى سبتمبر 2026، مما يقيّد قدرة أي طرف على تزويد الجيش بالأسلحة الثقيلة.

ثانياً: تصنيف الحلفاء السياسيين كإرهابيين. أي تعامل مع المؤتمر الوطني أو قياداته يعرّض الدول لعقوبات ثانوية، مما يزيد من عزوف الحلفاء عن تقديم الدعم.

ثالثاً: شلل المدفوعات. العقوبات تجمد حسابات البرهان، وصفقات الأسلحة تحتاج دولارات، وهذا شبه مستحيل حالياً.

رابعاً: تجفيف التمويل. عقوبات الذهب الأوروبية والبريطانية قطعت المصدر الرئيسي لتمويل الحرب.

خامساً: تحول القضية إلى ملف أمن قومي. ارتباط “الكيزان” بإيران والحوثيين جعل من دعم البرهان قضية حساسة لدول المنطقة والعالم، مما يزيد من عزوف الحلفاء الإقليميين.

من الصعب استمرار الدعم الإقليمي :-

في خضم هذه الضغوط، يجد حلفاء البرهان الإقليميون كـمصر التي تعتبره الضامن لمصالحها، وتركيا أنفسهم عاجزين عن توفير الغطاء السياسي والعسكري مستقبلآ، وذلك لأن:

· العقوبات الأمريكية المباشرة تجعل مساندته تحدياً لواشنطن.
· تصنيف الإخوان كإرهابيين يجر أي داعم له إلى تهمة دعم الإرهاب.
· القرارات الأممية، كالقرار 2791، تجعل من المستحيل على أي حليف تقديم غطاء سياسي دون اتهامه بتحدي الإرادة الدولية.
· تحول قضية السودان إلى ملف أمن قومي مرتبط بأمن البحر الأحمر.

وحتى روسيا والصين رغم امتناعهما عن بعض التصويتات تواجهان معادلة صعبة: فروسيا مثقلة بعقوباتها، والصين لا ترغب في تعريض استثماراتها للخطر.

ما يحدث اليوم مع البرهان ليس جديداً في تاريخ السياسة الدولية؛ فهناك أمثلة عديدة لدول تخلى عنها حلفاؤها بعد اشتداد العقوبات والعزلة.

ففي العراق، وبعد غزو الكويت عام 1990، فرضت الأمم المتحدة عقوبات شاملة على نظام صدام حسين، استمرت لأكثر من عقد. ورغم محاولات بعض الدول تخفيف الحصار، فإن الحلفاء الإقليميين وعلى رأسهم الدول العربية المجاورة تخلى عن النظام تدريجياً، إما بالانضمام إلى التحالف الدولي ضده أو بتجميد علاقاتها معه. حتى روسيا والصين، رغم استخدامهما حق النقض في بعض القرارات، لم تستطعا منع تمديد العقوبات أو تخفيف وطأتها. والنتيجة كانت عزلة شاملة أنهكت النظام وجعلته عرضة للانهيار في 2003.

خلاصة المقال :-

في النهاية، أستنتج أن فشل حلفاء البرهان في توفير الحماية السياسية، وتصنيف حلفائه الأساسيين كجماعات إرهابية، وتجفيف منابع تمويله عبر الذهب، وتحول قضيته إلى ملف أمن قومي مرتبط بالبحر الأحمر وإيران، وعجز الحلفاء عن الاستمرار في الدعم العسكري تحت وطأة العقوبات المتصاعدة، كلها عوامل تضع البرهان في عزلة شاملة غير مسبوقة على المستويات السياسية والعسكرية والمالية.

وهذه العزلة، في تقديري، قد تنتهي بزوال الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني من الوجود السياسي، إن هي أصرت على المراوغة والتمسك بالحرب بدلاً من المراجعة والانفتاح على السلام. فالضغوط تتزايد، والحلفاء يتراجعون، والذهب يجف، والعقوبات تتوالى، والبحر الأحمر يتحول إلى ساحة صراع. إنها الهاوية التي تتسع يوماً بعد يوم.

المقال القادم :-
هل ينجح البرهان في الصمود أمام العقوبات الدولية وإيجاد مصادر بديلة لتمويل استمرار الحرب في ظل الظروف الاقتصادية السيئة؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.