سقط النظام، ولم تسقط الشبكات تفكيك سؤال “الكيزانوفوبيا”: هل انتهى نفوذ الإسلاميين بعد سقوط الإنقاذ؟
سقط النظام، ولم تسقط الشبكات
تفكيك سؤال “الكيزانوفوبيا”: هل انتهى نفوذ الإسلاميين بعد سقوط الإنقاذ؟
✍️بقلم – محمد الهادي
أحد أبرز الأسئلة المضللة التي أسهمت في ترسيخ خطاب الحرب، وظل يرددها البعض منذ سقوط نظام البشير وحتى اليوم، هو: إذا كان نظام الإسلاميين قد سقط، فلماذا تُحمّلونهم مسؤولية ما يجري الآن في السودان؟.. يقوم هذا السؤال على افتراض أن سقوط السلطة يعني تلقائياً انتهاء نفوذ هذه الجماعة، وهذا الافتراض يتجاهل إمكانية إستمرار تأثير شبكات النفوذ السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية بعد زوال أنظمتها.
ولتعزيز هذا الطرح، روّج بعض مِمن يقدمون أنفسهم مفكرين لمصطلح “الكيزانوفوبيا” أو “رهاب الكيزان”، حتى أصبح المصطلح أداة خطابية تُستخدم لتشويه أي محاولة لبحث استمرار نفوذ الحركة الإسلامية، بدلاً من مناقشة الأدلة والوقائع التي يستند إليها هذا الطرح.
أرخبيل الحركة الإسلامية: جزر متفرقة وهدف واحد
عقب سقوط نظام الإنقاذ، تشظّت الحركة الإسلامية إلى أرخبيل من الجزر المنفصلة، ولكل جزيرة رموزها وقيادتها وأدواتها، وتفصل بينها خلافات على النفوذ والمصالح. لكن هذا التباعد فيما بينها لم يفقدها القدرة على التأثير، إذ ظلت هذه الجزر تتحرك بصورة ديناميكية، مستندة إلى شبكات نفوذها ومواردها وعلاقاتها التي راكمتها خلال ثلاثة عقود من الحكم، عندما سخّرت مؤسسات الدولة لبناء مراكز القوة وشبكات الولاء. وبرغم اختلاف أجنداتها وتنافسها الداخلي، فإنها تلتقي عند هدف مشترك، هو إقصاء القوى السياسية المدنية، والحفاظ على النفوذ، والعمل على استعادة السلطة.
اقتصاد التمكين: شبكة باقية رغم سقوط النظام
اقتصادياً، تُعد هذه الشبكة من أكثر شبكات الحركة الإسلامية قدرة على البقاء والتمدد والتأثير. فعلى امتداد ثلاثة عقود، بنت الحركة منظومة اقتصادية واسعة عبر سياسة التمكين، التي لم تقتصر على السيطرة على مؤسسات الدولة، وإنما امتدت إلى تشكيل طبقة اقتصادية مرتبطة بالتنظيم، واستفادت من الموارد العامة لبناء الثروة وتوسيع دائرة الولاءات. ومع تداخل مصالح التنظيم مع مؤسسات الدولة، تراجعت الحدود الفاصلة بين موارد الدولة وموارد التنظيم، فأصبحت قطاعات اقتصادية مهمة، من بينها الصمغ العربي والنفط والذهب، جزءاً من مراكز القوة داخل الدولة. وشمل نفوذها الاقتصادي امتلاك الشركات والأصول، والتحكم في شبكات التجارة والاستيراد والتصدير، إضافة إلى الاستفادة من الامتيازات المرتبطة بالموارد الطبيعية.
وبعد سقوط نظام الإنقاذ، تكيفت هذه الشبكة مع المتغيرات، وأعادت ترتيب نفسها مستندة إلى رؤوس الأموال والعلاقات التي راكمتها، لتظل أحد أهم مصادر القوة التي تدعم حضور الحركة وشبكاتها الأخرى.
بناء النفوذ داخل المجتمع
في الجانب الاجتماعي، أدركت الحركة الإسلامية منذ وقت مبكر أن السيطرة على المجتمع لا تقل أهمية عن السيطرة على مؤسسات الدولة. لذلك عملت على بناء شبكة واسعة من العلاقات والولاءات داخل القبائل والإدارات الأهلية والطرق الصوفية. وبعد انقلاب 30 يونيو 1989، أسندت وزارة الرعاية الاجتماعية إلى الرجل الثاني في التنظيم، علي عثمان محمد طه، في خطوة عكست أهمية هذا الملف في مشروعها السياسي، إذ تحولت المؤسسات الاجتماعية إلى وسيلة لتعزيز نفوذها داخل المجتمع. كما اعتمدت الحركة على الخطاب الديني لاستقطاب قطاعات اجتماعية مختلفة، وربطت ذلك بسياسة التمكين التي منحت الموالين مواقع ونفوذاً اقتصادياً واجتماعياً، مقابل إقصاء غير الموالين. وأنشأت أيضاً داخل جهاز الأمن والمخابرات مكتباً مختصاً بمتابعة شؤون القبائل والإدارات الأهلية، ورصد تركيبتها وعلاقاتها وصراعاتها، لتصبح البنية الاجتماعية إحدى أدوات التأثير السياسي والأمني. وبعد سقوط نظام الإنقاذ، ظل بعضها حاضراً في عدد من المناطق، ويواصل التأثير في المشهدين الاجتماعي والسياسي.
ويظهر أثر هذه الشبكات الاجتماعية في الدور الذي لعبته بعض القيادات الأهلية خلال المرحلة الانتقالية، ومن بينها الناظر محمد الأمين ترك، رئيس المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة. فقد برز حضوره في المشهد السياسي من خلال مواقف مرتبطة بقضايا شرق السودان، ثم تطورت تحركاته لتصبح جزءاً من الاستقطاب السياسي حول مسار الانتقال المدني والعلاقة بين المكونات الاجتماعية ومؤسسات الحكم. ويكشف هذا المثال كيف يمكن لشبكات الإدارة الأهلية، التي جرى بناؤها أو تعزيزها خلال عقود الحكم السابقة، أن تتحول إلى أدوات تأثير سياسي تتجاوز دورها الاجتماعي التقليدي.
أدلجة المؤسسة العسكرية
أمنياً وعسكرياً، تُعد هذه الشبكة من أكثر شبكات الحركة الإسلامية تأثيراً، إذ بدأت منذ وصولها إلى السلطة في هندسة مؤسسات الدولة النظامية بما يتوافق مع مشروعها السياسي. وقد اعتمدت في ذلك على سياسة الإحلال والإبدال داخل المؤسسة العسكرية، بإحالة أعداد كبيرة من الضباط إلى الصالح العام، وفي المقابل، تم ربط برامج الاختيار للكلية الحربية، والترقي في الجيش، بالولاء والتوصية التنظيمية، ما عزز حضور العناصر المرتبطة بها، كما عملت على ربط العقيدة العسكرية بخطابها الأيديولوجي. وكان نموذج قوات الدفاع الشعبي أحد أبرز الأمثلة على هذا التداخل بين المؤسسة العسكرية والمشروع الأيديولوجي للحركة الإسلامية، إذ جرى تقديم المشاركة في القتال باعتبارها واجباً دينياً، ووصفت حروب الدولة ضد خصومها في تلك المرحلة بخطاب “الجهاد”، ما جعل الانتماء السياسي والديني جزءاً من تعبئة المقاتلين. وبالنهج نفسه، تم إعادة بناء جهاز الأمن والشرطة، إلى جانب إنشاء جهاز الأمن الشعبي الذي شكل شبكة رقابة واسعة امتدت داخل الأحياء والمؤسسات الحكومية والشركات ومنظمات المجتمع المدني. ورغم سقوط نظام الإنقاذ، فإن هذه البنية الأمنية الصلبة، التي تشكلت على مدى ثلاثة عقود ظلت أحد أهم مصادر التأثير، وجعلت ملف إصلاح المؤسسات النظامية من أكثر الملفات حساسية في مستقبل الدولة السودانية.
أزمة الحركة بعد سقوط السلطة
سياسياً وتنظيمياً، يُعد هذا الجانب الأضعف نسبياً داخل الحركة الإسلامية مقارنة بشبكاتها الأمنية والاجتماعية والاقتصادية. ففي سنواتها الأخيرة في الحكم، عانت الحركة من تصاعد الخلافات الداخلية، وتضارب المواقف، وتعارض المصالح بين مكوناتها، إلى جانب تعدد مراكز القوة داخلها. وجاءت الضغوط الشعبية والسياسية والدولية لتزيد من أزمتها، خاصة مع تصاعد الاتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة والمطالبة بمحاسبة عدد من رموز النظام أمام المحكمة الجنائية الدولية، وعلى رأسهم الرئيس السابق عمر البشير. ومع سقوط النظام في أبريل 2019، دخلت الحركة مرحلة جديدة من التشظي، وانقسمت رأسياً إلى تيارين، تيار ارتبط بأحمد هارون وآخر بإبراهيم محمود. ورغم هذا الانقسام، لم تغيب الحركة من المشهد السياسي، ولكن انتقلت من العمل عبر سلطة الدولة إلى العمل من خلال شبكاتها المختلفة، مستخدمة أدواتها الاجتماعية والأمنية والسياسية للتأثير في مسار الانتقال.
الأزمة التي غيرت قواعد الصراع
المشكلة التي واجهت الحركة الإسلامية بعد سقوط نظام الإنقاذ، كانت فقدانها السيطرة على الدولة التي كانت تمنح الأدوات قوتها، وليس الادوات نفسها. فقد احتفظت بشبكاتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، لكنها لم تعد تملك المؤسسات الرسمية التي كانت تستخدمها لتوسيع نفوذها وحماية مصالحها. ومع وصول القوى السياسية المدنية إلى السلطة الانتقالية ومحاولتها إصلاح مؤسسات الدولة، وإنهاء تمكين الحركة الإسلامية، فقد تجاوز الخلاف مستوى الصراع على إدارة المرحلة الانتقالية، إلى مستوى الصراع حول شكل الدولة ومن يملك حق رسم مستقبلها.
ورغم بقاء جزء كبير من شبكات الإسلاميين فاعلاً بعد سقوط الإنقاذ، إلا أنها لم تستطع تحويل هذا الحضور إلى عودة سياسية كاملة إلى السلطة. فقد امتلكت الموارد والعلاقات وشبكات التأثير، لكنها واجهت واقعاً جديداً تمثل في وجود قوى مدنية تمتلك شرعية ثورية ودعماً دولياً، وتسعى إلى تغيير قواعد الحكم التي قامت عليها منظومة السلطة التقليدية السابقة. ولذلك، أصبحت عودة القوى المدنية إلى مركز القرار تمثل بالنسبة لهذه الشبكات أكبر تهديد لاستمرار نفوذها، وأكبر عائق أمام استعادة دورها السابق في إدارة الدولة.
انقلاب 25 أكتوبر: المحاولة الأولى لاستعادة السلطة
وقبل أن تصبح الحرب الخيار الأكثر عنفاً، كانت هناك محاولة لإستعادة السلطة عبر المؤسسة العسكرية. وقد مثل انقلاب 25 أكتوبر 2021 خطوة أساسية في هذا الاتجاه، فقد أعاد الجيش إلى صدارة المشهد السياسي وأبعد القوى المدنية عن السلطة التنفيذية. وبالنسبة إلى الحركة الإسلامية، وفر الانقلاب فرصة لإيقاف مسار الإصلاحات التي كانت تستهدف تفكيك شبكاتها داخل الدولة، كما أتاح لها استعادة جزء من حضورها عبر مؤسسات الحكم. وفي الوقت نفسه، جاء الانقلاب منسجماً مع مصالح قوى إقليمية رأت في استمرار التحول المدني تهديداً لنفوذها في السودان، فالتقت مصالح هذه القوى مع مصالح الحركة الإسلامية حول هدف واحد، هو إبعاد القوى المدنية وإعادة المؤسسة العسكرية إلى مركز السلطة.
إلا أن الانقلاب، ورغم انه أعاد الجيش إلى السلطة، لم ينجح في إنهاء الأزمة السياسية، ولا في منح الحركة الإسلامية عودة كاملة إلى الحكم، نسبة لاستمرار الضغوط الدولية، ورفض القوى المدنية الاعتراف بالأمر الواقع الذي فرضه انقلاب ٢٥ أكتوبر، وأصبح إحتمال استعادة السلطة عبر تسوية سياسية وارداً، بينما ارتفعت كلفة استمرار المرحلة الانتقالية بالنسبة لهذه الشبكات.
خيار الحرب: إعادة ضبط السلطة
في هذه المرحلة، لم تعد شبكات النفوذ التي حافظت عليها الحركة الإسلامية قادرة وحدها على تغيير موازين القوى. فالأدوات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، رغم تأثيرها، لم تكن كافية لإيقاف مسار الانتقال المدني أو استعادة السيطرة على الدولة بشكل كامل. ومع تصاعد الخلاف حول مستقبل الحكم وتراجع فرص التأثير عبر السياسة، انتقل الصراع إلى مستوى آخر، حيث أصبحت القوة العسكرية بالنسبة لبعض مكونات هذا الأرخبيل الإسلامي وسيلة لإعادة ترتيب المشهد. فالحرب بالإضافة لقدرتها على وقف مسار التحول المدني الديمقراطي، فهي قادرة على أن تعيد المؤسسة العسكرية إلى مركز القرار، وتمنح شبكات النفوذ القديمة فرصة لاستعادة مواقعها داخل الدولة تحت غطاء الدفاع عن السيادة الوطنية.
شبكات الداخل وحلفاء الخارج
مع انتقال الصراع من السياسة إلى الحرب، لم تكن الحركة الإسلامية تتحرك وحدها. فمن جهة، واصلت إدارة جانب من الصراع من خلف المؤسسة العسكرية، مستفيدة من شبكاتها الأمنية والاجتماعية والاقتصادية التي نجحت في الحفاظ عليها بعد سقوط نظام الإنقاذ. ومن جهة أخرى، وجدت بعض القوى الإقليمية التي تسعى إلى توسيع نفوذها في السودان في هذه الشبكات شريكاً جاهزاً، فهي تمتلك المال، والعلاقات، والوجود داخل مؤسسات الدولة، ولا تحتاج إلى بنائها من الصفر، فوفرت لها الدعم السياسي والعسكري.
ومن هنا، التقت مصالح الطرفين. فالحركة الإسلامية كانت تبحث عن طريق يعيدها إلى دائرة السلطة، بينما كانت تلك القوى الإقليمية تسعى إلى الحفاظ على نظام سياسي يضمن استمرار نفوذها داخل السودان. ولم يكن هذا التحالف قائماً على اتفاق أيديولوجي، بقدر ما كان قائماً على تقاطع المصالح، وفي مقدمتها عرقلة مسار التحول المدني الديمقراطي، والإبقاء على بنية السلطة التقليدية التي تقوم على هيمنة الدولة المركزية ودور المؤسسة العسكرية في إدارة الحكم.
إلى جانب التحالفات التي نشأت بعد سقوط نظام الإنقاذ على أساس المصالح المشتركة، احتفظت الحركة الإسلامية بعلاقاتها القديمة مع حلفاء أيديولوجيين في المنطقة، وهي علاقات بُنيت على سنوات من التعاون السياسي والتنظيمي. وقد وفرت هذه العلاقات قنوات للتواصل والتنسيق، وأسهمت في استمرار حضور الحركة خارج السودان. وهكذا تحركت الحركة مستفيدة من مسارين في الوقت نفسه: تحالفات جديدة فرضتها المصالح، وعلاقات قديمة جمعتها بالأيديولوجيا.
في النهاية، لا يدّعي هذا المقال أن الحركة الإسلامية تفسر وحدها كل ما جرى ويجري في السودان، فالحرب نتاج تداخل عوامل محلية وإقليمية ودولية معقدة. لكنه يجادل بأن سقوط النظام لم يكن يعني سقوط شبكاته، وأن فهم ما حدث بعد أبريل 2019 يظل قاصراً إذا تم تجاهل البنية الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والسياسية التي بقيت فاعلة بعد خروج الحركة الإسلامية من السلطة.
ويبقى السؤال الأهم: إذا انتهى دور الحركة الإسلامية بسقوط نظامها بالفعل، فلماذا يُبذل كل هذا الجهد لنفي أي حديث عن استمرار نفوذها؟ ولماذا يتحول مجرد طرح هذا السؤال إلى تهمة، ويُوصم كل من يبحث في أثر هذه الشبكات بأنه يعاني من “الكيزانوفوبيا”؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تكون بإطلاق المصطلحات أو مصادرة النقاش، وإنما بفحص الوقائع والأدلة، لأن فهم ما جرى في السودان يبدأ أولاً بفهم القوى المؤثرة، سواء كانت داخل السلطة أو خارجها.