الخيارات الحادة.. كيف تعيد واشنطن تشكيل اللعبة السياسية في السودان؟

الخيارات الحادة..

كيف تعيد واشنطن تشكيل اللعبة السياسية في السودان؟

 

✍️كتب احمد عثمان محمد المبارك

 

تتجه الأزمة السودانية نحو مرحلة مفصلية تتجاوز نطاق الوساطات التقليدية والمناورات الدبلوماسية الناعمة، لتضع أطراف الصراع الرئيسية أمام لحظة حاسمة لإعادة ضبط معادلة الحكم والسلام. ويبرز استدعاء الإدارة الأمريكية للفريق أول شمس الدين الكباشي كأولى الإشارات الواضحة والخطوة الجوهرية التي تفتتح مساراً جديداً في التعاطي الدولي مع الملف السوداني، مسارٌ يعلن الانتقال المباشر من مرحلة استكشاف النيات إلى مرحلة فرض الخيارات الحادة وتحديد الخطوط الحمراء التي لا تقبل التسويف.

 

​إن محورية لقاء الكباشي في واشنطن تكمن في أنه يضع جدية المؤسسة العسكرية على المحك المباشر، إذ تضيق أمامها المساحات التكتيكية وهامش المناورة الذي اعتمدته طوال الفترة الماضية. فلم يعد المقبول دولياً الاكتفاء بالتصريحات العامة، بل بات المطلوب من قيادة الجيش يقاس بخطوات عملية وملموسة تؤسس لوقف شامل لإطلاق النار، وتضع خطة إجرائية ملزمة ونقاطاً حاسمة للشروع الفوري في تسليم مقاليد السلطة إلى حكومة مدنية كاملة الصلاحيات، بلا التفاف او مناورات. وتدرك واشنطن أن استعادة الاستقرار تتطلب معالجة أصل الأزمة، مما يجعل إنهاء هيمنة القرار العسكري والأمني شرطاً شارحاً لأي تسوية مستدامة.

 

​في هذا السياق، يتداخل اختبار جدية الجيش بشكل مباشر مع الرسائل الموجهة عبر لقاء الكباشي بشأن طبيعة مقاربته لنفوذ الحركة الإسلامية داخل أجهزة الدولة والقوات المسلحة. فقد أضحت القراءة الدولية ترى في تنظيم الإخوان والواجهات المحسوبة عليه عقبة رئيسية تمنع الوصول إلى اتفاق سلام، نظراً لرهان هذه الأطراف على استمرار الصراع لاستعادة مواقعها السياسية. ومن هنا، فإن اللقاء يضع القيادة العسكرية أمام خيار تاريخي بين استمرار التماهي مع النفوذ الاخواني، وبين اتخاذ قرار استراتيجي بفك الارتباط الكامل عن الظل السياسي للتيار الإسلامي، حيث إن أي محاولة للمراوغة ستعني الدخول الفعلي في مواجهة مفتوحة مع واشنطن.

 

​على الجانب الآخر، يمثل هذا التحرك المباشر إعلاناً ببدء أعتى موجة استهداف أمريكي حاد ومفتوح للحركة الإسلامية في السودان. هذا الاستهداف يتجاوز مجرد الخطاب السياسي ليتجسد في أدوات ضغط صارمة تشمل التجفيف المالي للمؤسسات والشركات الموازية، والملاحقة الفردية لقيادات التنظيم عبر العقوبات وتضييق الخناق الدبلوماسي، وصولاً إلى فرض عزلة كاملة تُغلق الأبواب أمام أي محاولة لإعادة إنتاجه تحت مسميات جديدة. إن واشنطن تسعى من خلال هذه الحزمة إلى تجريد التنظيم من أدوات التأثير السياسي والميداني وجعله في قلب الاستهداف المباشر.

 

لذلك فإن  المعادلة في السودان، عقب محطة التواصل المباشر مع الكباشي، تتجه نحو مسارين لا ثالث لهما، إما أن تتلقف القيادة العسكرية اللحظة لتبرهن على إرادتها الجادة في تغليب الخيار الوطني والتخلص من نفوذ النظام السابق والانتقال نحو الحكم المدني، أو أن تنزلق المنطقة نحو مواجهة مفتوحة تعيد رسم قواعد اللعبة السياسية والأمنية في السودان بالكامل من الخارج.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.