معلم السودان.،،،ضحية حرب لا يخوضها
يوسف الغوث..
اكتب هذا النص في زمن تجاوز فيه اليأس حدود الاحتمال، حين أصبح المعلم السوداني الذي ينهض قبل الفجر ليمسح غبار الحرب عن وجوه التلاميذ، هو نفسه ذلك الرجل الذي ينام جائعاً، ويصحو على راتب لا يكفي لشراء حلم، في بلد تنفق المليارات على آلات الموت وتترك بناة المستقبل يتسولون الكرامة.
إنه مشهد مأساوي بامتياز، يتجلى فيه التناقض الصارخ بين أولويات دولة ترهن مستقبلها بيدٍ وتهدمه بالأخرى، حيث تفصل ميزانيات التعليم عن ميزانيات الدفاع كما يفصل الموت عن الحياة، ولكن النتيجة واحدة،، جيل يتربى على شظايا الغد، وآخر يُسرح إلى دروب الجهل التي لا نهاية لها.
في هذا السياق، يأتي قلمي ليُدوّن شهادة عصره، ليس كرأي سياسي من هنا أو هناك، بل كصرخة وجع إنساني تنطلق من أعماق معاناة يومية يعيشها معلم يقف على حافة الهاوية، يرى تلاميذه يتساقطون حوله كأوراق الخريف، بينما يداه فارغتان، وقلمه لا يملك سوى أن يسجل الحكاية، عسى أن يصل صوت من لا صوت له إلى ضمير الإنسانية قبل أن تطوى صفحة السودان في كتب التاريخ وكاخر فصل من فصول الفقدان.
ولعل السؤال الذي يلح على النفس، ويحرق الروح قبل الجسد،،كيف يمكن لمعلم أن يعلم حين يكون هو نفسه بحاجة إلى من يعلمه كيف يعيش؟ وكيف لأمة تترك معلميها يتضورون جوعاً أن تنتظر منهم أن يخرجوا منها جيلاً ينهض بها؟ إنها مفارقة كبرى، تقول إن الدولة حين تتخلى عن معلميها، فإنها توقع عقداً مع الفشل، وتعلن عن انتحارها البطيء، ذلك الانتحار الذي يبدأ بفصل دراسي خال، وينتهي بأمة هامدة في صحراء الجهل… فما إن نخترق جدار هذه الصورة الشعرية للمعلم الذي يمسح غبار الحرب عن وجوه التلاميذ،،حتى نصطدم بحقائق تقشعر لها الأبدان، وتجعل من تلك المشاعر النبيلة مجرد أسطورة تتحطم على صخرة الواقع.
فالإضراب الذي هز أركان العملية التعليمية لم يكن وليد لحظة عابرة، بل هو التتويج الطبيعي لتراكمات عميقة امتدت لسنوات، حيث تراجعت القوة الشرائية لأجور المعلمين بنسبة تجاوزت تسعين بالمئة خلال ثلاث سنوات، فأصبح راتب أعلى درجة في السلم الوظيفي لا يتجاوز ثمانية وأربعين دولاراً، والأدنى ما بين سبعة عشر دولاراً تزيد او تنقص قليلا،، وسط تضخم تجاوز مئتين وخمسين بالمئة، مع انقطاع الرواتب لأشهر وتأخر بدلات السكن والوجبة لسنوات… وهنا، حيث بلغ اليأس منتهاه، انطلق الإضراب المفتوح الذي دخل شهره الثالث على التوالي، متسعا من الخرطوم إلى كسلا مروراً بالجزيرة وليس انتهاء بالنيل الأزرق، ليكسر صمت المعلمين الذين وجدوا في التوقف عن العمل خيارهم الأخير والوحيد لانتزاع كرامتهم. وإزاء هذا الإضراب المتفاقم، لم تجد السلطات من وسيلة للتعامل سوى التهديدات الأمنية والنقل التعسفي لكسر التماسك النقابي، محولةً المطلب الحقوقي إلى قضية أمنية، في مشهد يعكس مدى تآكل النظرة الاستراتيجية للدولة تجاه بناة الأجيال.
فالمعلم الذي يترك وحيداً يتجرع مرارة العوز، بينما تذهب الميزانيات الضخمة للحرب، لا يعدّ ضحية نزاع مسلح بالمعنى المباشر، بل هو ضحية معادلة قاسية جعلت من كرامته الإنسانية وقوداً لصراع لا يد له فيه، ذلك أن توجيه الإنفاق العام لتمويل المجهود الحربي على حساب قطاع التعليم يكشف عن فلسفة سياسية تضع الموت في سلم الأولويات والحياة في ذيل القائمة… غير أن المأساة تتجاوز حدود الفاقة المالية، فهناك صدمات نفسية جماعية عميقة،، يعيشها المعلم والطالب تحت وطأة القصف والنزوح، فالمعلم يمارس مهنته وهو منهك نفسياً وجسدياً، يدرس أطفالاً فقدوا منازلهم وأقاربهم، مما يخلق جيلاً يعاني من اضطرابات ستظهر في العدوانية والانعزال لسنوات، بينما شرذمت الحرب الكفاءات التعليمية بتوزيع النازحين بشكل غير عادل بين الولايات، وتجاهلت تحديث المناهج لأكثر من عقد… وفي خضم هذا الانهيار المتكامل، يبرز سؤال محرج حول بدائل التعليم الرقمي التي تتردد كصيحات فارغة في فضاء بلا كهرباء ولا إنترنت، فكيف يمكن التحدث عن منصات إلكترونية في مناطق تحولت فيها البنية التحتية إلى أنقاض، وتقطعت فيها السبل بأبسط وسائل الاتصال؟ إن هذا القفز نحو الحلول الرقمية دون تهيئة الأرضية الواقعية ليس سوى محاولة يائسة لتجميل الكارثة، بينما تتآكل المعرفة التقليدية في فصول دراسية تحولت إلى مهاجع للنازحين…. وتتفاقم المأساة مع معاناة المعلمات، اللواتي يمثلن شريان التعليم الأساسي، حيث يدفعهن النزوح والعنف إلى ترك المهنة، والعمل كباىعات شاي علي احسن الاحوال ،،في وقت يرتفع فيه زواج القاصرات ويتسع هدر الفتيات في منظومة أميّة، مما يجعل الأزمة أنثوية بامتياز وتتطلب تدخلاً عاجلاً ينقذ نصف المجتمع. فالمعلمات هن الضحية الخفية داخل المأساة المعلنة، يُجبرن على التسول من أجل لقمة العيش، أو على الفرار تاركات خلفهن فصولاً تنتظر من يملؤها بالحياة، لكن الحياة نفسها أصبحت غائبة عن كل شيء… وفي مواجهة هذا الفشل الحكومي الذريع، يبرز دور المجتمع المدني والمغتربين كطرف فاعل عبر إنشاء صندوق لدعم المعلم تموّله التحويلات الخارجية، بعيداً عن الميزانية المنهكة.
لكن الحل الجذري يتطلب الاعتراف بأن الإرادة الوطنية المنفردة عاجزة عن كسر الجمود، بسبب دعاة الحرب وتعنتهم،، مما يستوجب رفع ملف التعليم إلى مستوى الأمن القومي عبر وساطة دولية فاعلة، كأن تتشكل منصة ثلاثية تجمع الحكومة ولجان المعلمين وهيئات كاليونيسيف، لترعى ميثاق إنقاذ تربوي يُفصل بموجبه رواتب المعلمين عن الخزانة العامة عبر صندوق ائتماني دولي يضمن وصولها مباشرة، مقابل التزام المعلمين بجدول زمني لاستئناف الدراسة ومراجعة المناهج، مع إعادة توزيع الكفاءات ودعمهم نفسياً… إن المطلوب اليوم ليس وعوداً سرابية، بل جرأة سياسية تضع الإنسان فوق كل اعتبار، وتنتزع التعليم من متاهات الحرب، فلا نهضة لأمة تترك مصائر أبنائها معلقة في مهب الريح. فإما أن تمتد أيادٍ دولية لانتشال الصرح المنهار، وإما أن يظل السودان رهينة جهل متراكم، وعندها لن يكون انهيار المعلم مجرد خسارة مهنية، بل شاهداً على انهيار الدولة ذاتها. وهكذا، نعود إلى سؤالنا الافتتاحي الذي أرقنا طويلاً: كيف يمكن لمعلم أن يعلم وهو بحاجة إلى من يعلمه كيف يعيش؟ لقد بات الجواب اليوم أكثر وضوحاً وإيلاماً،،،.
فالمعلم الذي يكافح من أجل لقمة العيش، ويخاف على أسرته من قنابل تدكّ السماء، لا يمكنه أن يكون مصدر إلهام لأطفال يبحثون عن الأمان في عينيه. فالمعلم مرآة لحالة وطن بأكمله، وطن ينهار من الداخل بينما يشغل نفسه بحروب لا طائل من ورائها… فالمعلم السوداني اليوم ليس مجرد موظف متذمر، بل هو شاهد حي على فشل سياسي ممنهج، وجندي في جبهة الجهل التي لا يلتفت إليها أحد. فكرامته المهضومة ليست مجرد رقم في ميزانية، بل هي ميزان الحضارة الذي يرتفع بهذا الوطن أو يهوي إلى الدرك الأسفل.
فإما أن تنهض الدول لتكريم معلميها، وإما أن تشهد على انهيارها بأعينها، بينما تبقى حكاية المعلم السوداني الذي يدرس تحت القصف ويعيش فوق الفقر ،، مرثية وطن ضاع في متاهاته، وقلمي أنا يوسف الغوث لم يكن سوى المؤرخ الأمين لهول هذه المأساة، عسى أن تكون هذه الكلمات قبساً ينير درب الخلاص، أو شاهدة على زمن اختار الموت على الحياة، والجهل على المعرفة…. ودمتم ..