السودان: تقاطع مِرآتين على جسد؟!

الجميل الفاضل يكتب:

السودان: تقاطع مِرآتين على جسد؟!

 

ليست المرايا كلها من زجاج، فبعضها يصنعه المديح، الذي إذا استطال صار هو نفسه حجابًا، كما لو أنه استدار فأضحى مرآةً أخرى لا تعكس إلا ما نحب أن نراه.

هكذا عاش السودان دهرًا يتأمل صورته في مرآةٍ صقلتها ألسنة وأقلام الآخرين، حتى خُيّل إليه أن الانعكاس هو الأصل، وأن الصورة هي الحقيقة، وأن الضوء لا يأتي إلا من جهة بعيدة.

وما كان يدري أهل السودان أن المرآة التي لا تُظهر الندوب ليست مرآة، وإنما هي مجرد ستار من البلور.

إذ لعقود طويلة، تحوّلت مفردة «السوداني» في المخيلة الجمعية — عربيًا وإقليميًا — إلى صكّ ضمان أخلاقي، ومرادف قانوني للنزاهة والأمانة المفرطة، والحكمة الصامتة التي تترفع عن الصغائر.

كان العالم يرى في السوداني كائنًا استثنائيًا، قادمًا من يوتوبيا نقية حافظت على بكارتها الأخلاقية وسط وحشة المادة وزيف المدن الحديثة.

لكن، ومع الرصاصة الأولى التي أُطلقت في منتصف أبريل من عام 2023، لم تنفجر في الخرطوم المدافع والبيوت فحسب، بل انفجرت معها تلك «المِرآة المثالية» وتناثرت شظاياها.

وضعت الحرب الإنسان السوداني أمام مرآة قاسية قاحلة لا ترحم، فنزعت عنه عباءة «القداسة الزائفة»، وقدمته للعالم — ولنفسه أولاً — بشرًا كسائر البشر: يخطئ ويصيب، يلين ويقسو، يسقط كما رأينا في مستنقع الوحشية والتشفي عندما ينفرط عقد الأمان وتغيب الدولة.

رغم أنه في مرحلة ما قبل هذه الحرب، كانت قد تشكّلت لهذا السوداني صورة في الخارج جعلته أيقونة أخلاقية صلبة.

خاصة في دول الاغتراب الخليجي، حيث رُويت عنه قصص أشبه بالأساطير عن رعاة ومحاسبين وموظفين رفضوا ملايين الأموال ترفعًا وعفة.

حتى كتب الأديب الراحل د. غازي القصيبي على سبيل المثال: «إذا تصفحت سجلات الأمانة في الخليج، فستجد أن الاسم السوداني يتردد كضمانة بنكية أخلاقية».

ثم بلغت هذه الصورة ذروتها الإيجابية عالميًا إبان ثورة ديسمبر (2018-2019)، حين وقفت الصحافة العالمية مذهولة أمام شباب ونساء يوزعون الورد على الجنود، وينظفون الشوارع بعد التظاهر، ويرددون «سلمية.. سلمية» في وجه الرصاص.

لدرجة جعلت الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يضرب بهم المثل إبان أزمة السترات الصفراء قائلًا: «انظروا إلى الثورة السودانية وسِلميّتها.. يجب أن نعي جميعًا الدرس».

لقد صدّق السودانيون هذه السردية، واطمأنوا إلى «وهم النقاء المطلق»، وبنوا عقيدتهم النفسية على أنهم شعب معصوم من الانزلاق نحو التوحش.

لكن ما إن اشتعلت الحرب واهتزت الأرض تحت الأقدام، حتى انقشعت غيوم المثالية وظهرت حقيقة مختلفة عارية.

صُدم المراقب الخارجي قبل السوداني نفسه بضراوة الصراع، وبانبعاث كمّ خرافي من العنف المنفلت، والنهب، والتشفي، وبتدمير المقدرات وتخريب المعالم التاريخية كالمتاحف والجامعات بأيدي أبناء جلدة واحدة.

تساءل الكثير من الأجانب بذهول: أين ذهبت تلك الطيبة والحكمة؟ وهل هؤلاء هم أنفسهم السودانيون المسالمون الذين عرفناهم؟

لم تتوقف الصدمة عند حدود العنف العسكري، لكنها امتدت لتكشف هشاشة النسيج الاجتماعي والنخبوي؛ إذ انزلق المثقفون والناشطون على منصات التواصل الاجتماعي سريعًا نحو خطابات الكـ راهية، ونحو الاصطفاف القبلي والمناطقي الضيق.

تلاشت صورة «الإنسان المثالي» لتحل محلها صورة مجتمع مأزوم يمزق نفسه عند أول اختبار حقيقي للقوة والردع.

وعلى أرصفة اللجوء وعواصم الشتات والمعابر، تبدلت الصورة تمامًا؛ فالإنسان الذي كان يأتي بتأشيرة عمل محترمة حاملًا شهادته وخبرته المعمارية أو الطبية أو التعليمية ليساهم في بناء الدول، أصبح يقف في طوابير الانتظار الطويلة منكسرًا، يبحث عن أمان لأطفاله، لتتحدث عنه بعض المنابر بوصفه «عبئًا اجتماعيًا واقتصاديًا»، وهي نظرة قاسية تسببت في جرح غائر للكبرياء السوداني التاريخي.

لكن السؤال: هل ظلم هذا الإنسان السوداني نفسه، أم ظلمه هؤلاء الآخرون؟

الحقيقة التي تجليها قراءة الاجتماع السياسي والتاريخ هي أن السوداني في هذه المعادلة كان مظلومًا وظالمًا لنفسه في آن واحد:

كان مظلومًا لأن الآخرين اختزلوه في مديح سطحي؛ ركزوا على «أمانة الفرد» وأغفلوا بنية المجتمع والدولة المتآكلة التي أدت إلى تآكل رصيده الأخلاقي.

لم يكلف الآخر نفسه عناء النظر في تعقيدات الواقع السوداني العميقة، ولا في الحروب المكتومة في أطراف البلاد، ولا في غياب العدالة الاجتماعية التي كانت تغلي تحت السطح طوال عقود.

وكان ظالمًا لنفسه أيضًا لأنه قبل هذه «الهالة الملائكية» وتماهى معها، مما أصابه بـ«عمى جماعي» عن عيوبه الهيكلية.

تعايش السودانيون مع النعرات القبلية والمناطقية وهي مستورة خلف عباءة المجاملات واللطف الاجتماعي، وتناسوا أن الأخلاق الفردية والشهامة ومظاهر الكرم — رغم نبلها — ليست بديلاً عن دولة القانون ودولة المؤسسات.

فالأخلاق قد تنهار وتتوحش الغرائز البدائية لدى أي شعب على وجه الأرض إذا اختل ميزان العدل، فجاعت البطون، وغاب الردع، وانفرط عقد الأمان.

أما إذا انصرفنا عن حسابات السياسة وموازين الأرض القاصرة، ونظرنا إلى المشهد السوداني من خارج حسابات الزمن والتحيزات الضيقة، فلن نرى مجرد حرب دموية عابرة، بل سنبصر «مخاضًا قيصريًا»، حيث لا تولد الأمم الحية إلا من أرحام الآلام الحارقة.

إن في تدبير الله الخفي وحكمته البالغة وراء هذه الكارثة الإنسانية سُننًا كونية ورسائل مشفرة كُتبت بالدموع والرماد.

لقد سلب القدر من السودانيين رداء «المثالية الزائفة» وأسقط عنهم أصنام «التمجيد الأجوف»، ليردهم إلى صراط «البشرية العارية».

بيد أن هذا الابتلاء الشديد لم يكن في النهاية عقابًا، إنما كان عملية «صهر وتطهير للمعدن»؛ ليموت «السودان القديم» بامتيازاته وجهوياته وهشاشة مكوناته الوطنية، ليولد من رحم النار إنسان سوداني جديد، خرج من الموت ليعرف لأول مرة القيمة الحقيقية للحياة، ولمعنى المواطنة، ولكيف يُحترم القانون وتُبنى المؤسسات.

وفي أحلك ساعات هذا التوحش، حين كان الرصاص يحصد الأرواح وكان الساسة يحفرون خنادق الشتات، كانت الحكمة الإلهية تتجلى في معجزات البسطاء: في «تكايا» غرف الطوارئ تحت القصف، وفي البيوت المفتوحة التي تتقاسم الكسرة والمأوى بلا مقابل.

في هذه الومضات الروحية القليلة، يرينا الله أن الجوهر النبيل للشخصية السودانية لم يمت، إنما هو محاصر بالرماد، كي يُعاد تشكيله ليقاوم الفناء.

إن منطق الكون يخبرنا بأن الهدم الكامل للأنقاض المتداعية هو تمهيد حتمي لـ«ميلاد ثانٍ آتٍ»؛ فالترميم فوق الأساسات الهشة لا يصنع بيتًا آمنًا.

لكن بقدر عمق السقوط والانكسار يكون الارتداد والنهوض.

إن نافذة الأمل تظل مشرعة، لأن الآلية الإلهية قطعت وعداً لا يُخلف: «إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا». واليسر يولد في قلب العسر ومن رحم ذاته.

وفي ظني أنه متى وضعت هذه الحرب أوزارها، سينفض هذا الشعب عن ثوبه غبار الأساطير، ليتكئ على حقيقة كينونته البشرية، كي يبني وطنًا حقيقيًا على قواعد الحرية والسلام والعدالة، مؤمنًا بأن الفجر لا يولد إلا من رحم أشد الليالي ظلمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.