إرادة شعبية مغيبة: الغالبية الساحقة من السودانيين مع السلام
الموقف الشعبي يتناقض مع إصرار الجيش المستمر على الحرب.
أظهرت دراسة ميدانية شاملة أجرتها مجموعة المناصرة من أجل السلام في السودان رغبةً عارمةً لدى الغالبية الساحقة من الشعب السوداني في إنهاء النزاع الدامي، حيث عبّر 93.2 بالمائة من المشاركين عن تأييدهم الواضح لمفاوضات السلام، مما يقدم دليلا رقميا قاطعا يدحض كافة الادعاءات والذرائع التي تُساق لتبرير استمرار الحرب باسم المواطنين.
ويعكس هذا الإجماع الشعبي توقا حقيقيا لطي صفحة المأساة الإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ أبريل من عام 2023، وتأكيدا على أن الحاضنة الشعبية ترفض تماما خيار السلاح كوسيلة لحسم الخلافات السياسية والاجتماعية.
وتكشف تفاصيل الدراسة، التي اعتمدت على استبيانات إلكترونية ومقابلات نوعية شملت كافة الولايات السودانية بالإضافة إلى بلدان اللجوء والمهجر، أن الوعي الجمعي السوداني يتجاوز الخطابات التعبوية، ويتطلع بشكل جاد إلى صياغة مستقبل مستقر وآمن بعيدا عن أزيز الرصاص ومآسي النزوح والجوع.
ويتناقض الموقف الشعبي السلمي، وبشكل صارخ، مع إصرار المؤسسة العسكرية المستمر على المضي قدما في خيار الحرب، ورفضها المتكرر لكل جهود السلام والمبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى وقف إطلاق النار، حيث يظهر التباين هوة واسعة بين تطلعات الشارع الذي ينشد الأمان وبين توجهات القيادة العسكرية التي تبدو متمسكة بالحسم العسكري المتعدد التكاليف.
ويتجلى التناقض في تحميل أكثر من 80 بالمائة من المشاركين في الدراسة المسؤولية المباشرة عن اندلاع هذه الحرب واستمرارها للمؤسسة العسكرية بشقيها، مما يوضح أن المواطن السوداني يدرك تماماً مكامن الخلل ويرفض الانصياع للبروباغندا التي تحاول تصوير استمرار المعارك كضرورة وطنية تحظى بدعم شعبي.
إن تمسك الجيش بمواصلة القتال وإجهاض مساعي التفاوض لا يمثل رغبة السودانيين بل يمثل إرادة نخبوية ضيقة تسعى للحفاظ على مكتسبات معينة، على حساب معاناة الملايين الذين يواجهون شبح المجاعة والفقر والتشرد داخل وخارج البلاد.
وتؤكد الأرقام الواردة في الدراسة أن 74.3 بالمائة من السودانيين يؤيدون وقفاً فورياً وغير مشروط لإطلاق النار، وهي نسبة تعكس حجم المعاناة اليومية والخطر المحدق بحياة المدنيين في مختلف أرجاء السودان.
ويُظهر هذا الرقم المرتفع أن الأولوية القصوى للمواطن هي حقن الدماء وإيقاف التدمير الممنهج للبنية التحتية، وهو ما يتعارض تماماً مع الخطاب التصعيدي والعمليات العسكرية التي تستهدف حسم المعركة ميدانياً دون اعتبار للكلفة البشرية الهائلة.
وتبرز المفارقة في كون ولاية وسط دارفور، وهي واحدة من أكثر المناطق تضرراً من النزاع، قد سجلت أعلى نسبة تأييد للسلام بلغت 94.7 بالمائة، مما يؤكد أن الذين يكتوون بنار الحرب بشكل مباشر هم الأكثر رغبة في إخمادها والأكثر وعياً بعبثية استمرارها ومحاولات تغذيتها.
وتشير التحليلات السياسية في الدراسة إلى أن التنافس على السلطة والثروة يمثل الجدر الأساسي لهذا الصراع، يليه إرث النظام السابق والتهميش التاريخي والتدخلات الخارجية السلبية التي ساهمت في تعقيد المشهد.
وتضع الرؤية الشعبية للمستقبل خطوطاً حمراء واضحة ومحددة لأي تسوية سياسية قادمة، تتركز بشكل أساسي في الرفض المطلق لتقسيم السودان، وتأكيد ضرورة إنهاء ظاهرة تعدد الجيوش والميليشيات، بالإضافة إلى منع استمرار تدخل المؤسسة العسكرية في العمل السياسي والاقتصادي بشكل نهائي.
وتتعارض هذه الخطوط الحمراء بشكل جوهري مع الممارسات الحالية على الأرض، حيث تتواصل عسكرة المجتمع وتجنيد المدنيين وتعميق الانقسامات القبلية والجهوية التي اعتبرها 93.4 بالمائة من المشاركين تهديداً مباشراً للتماسك الوطني.
ويتطلب بناء جيش مهني وقومي واحد خضوع العسكريين للقرار السياسي المدني، وهو الأمر الذي يرفضه قادة الجيش حالياً
عبر تمسكهم بالسلطة وإصرارهم على حسم المعركة عسكرياً ليضمنوا موقعاً مهيمناً في مستقبل البلاد، متجاهلين تحذيرات المواطنين من أن تعدد الجيوش واستمرار التدخل العسكري في السياسة سيقود حتماً إلى تفتيت ما تبقى من الدولة السودانية.
العرب