تفكيك البنية الهيكلية والمالية لمنظمة الدعوة الإسلامية: قراءة في تقاطعات التمكين الأيديولوجي وصراعات الموارد

 

تفكيك البنية الهيكلية والمالية لمنظمة الدعوة الإسلامية:

قراءة في تقاطعات التمكين الأيديولوجي وصراعات الموارد

التشريح التاريخي والتمكين المالي: من رعاية الانقلاب إلى بناء الكارتيل الاقتصادي الموازي

“الجزء الأول”

 

تخطت منظمة الدعوة الإسلامية، عبر مسيرتها لأكثر من أربعة عقود، النطاق التقليدي للجمعيات الخيرية العابرة للحدود، لتستقر كواحدة من أعقد الإمبراطوريات المالية والسياسية والأيديولوجية التي شكّلت الذراع الناعم والموازي لمشروع التمكين السياسي للحركة الإسلامية الإرهابية في السودان. فالمنظمة منذ نشأتها، تعدت كونها مجرد كيان دعوي أو إنساني بالمعنى المتعارف عليه، وتحولت تدريجياً إلى بنية متشابكة يصعب الفصل فيها بين العمل الدعوي والتمويل والاستثمار والنفوذ السياسي.

تأسست منظمة الدعوة الإسلامية عام 1980 واتخذت من الخرطوم مقراً رئيسياً لها، في ظل مناخ إقليمي شهد صعود التمويل الإسلامي وتدفقات متزايدة لرأس المال الدعوي والخيري القادم من الخليج.

وبحكم طبيعتها العابرة للحدود، تمتعت المنظمة بوضع قانوني خاص داخل السودان منحها امتيازات تشغيلية واسعة شملت تسهيلات جمركية وضريبية وإدارية كبيرة. ويرى منتقدون أن هذا الوضع الاستثنائي ساهم لاحقاً في تحويل المنظمة إلى إحدى أهم القنوات التي استُخدمت لبناء شبكات النفوذ العابرة للحدود المرتبطة بالمشروع الإسلامي الإرهابي في السودان.

يستدعي فهم آليات صناعة القبول الدولي للمنظمة التوقف عند الدور الذي لعبه المشير عبد الرحمن سوار الذهب، الذي تولى رئاسة مجلس أمنائها لسنوات طويلة حتى وفاته في أكتوبر 2018.

فقد منحت مكانته العسكرية والسياسية ورمزيته المنظمة قدراً كبيراً من الشرعية عربياً ودولياً، وهي شرعية يرى مراقبون أنها ساعدت في إبعاد الأنظار عن النفوذ المتنامي للحركة الإسلامية الإرهابية السودانية داخل البنية التنفيذية للمنظمة، في ظل بيئة سياسية تأثرت بصورة كبيرة بمشروع حسن الترابي وشبكاته التنظيمية. كما امتد نفوذ المنظمة عبر علاقات مع شخصيات دعوية وخيرية بارزة في العالم العربي وأفريقيا، قبل أن تصل في عام 2026 إلى مرحلة صراع إداري وقانوني حاد بين أجنحة متنافسة على إدارتها وأصولها.

ولكي نتمكن من فهم البنية العميقة للمنظمة لابد من التوقف عند الأسماء التي أحاطت بها تاريخياً، سواء بصورة مباشرة أو عبر دوائر النفوذ الإسلامية.

فقد ارتبط اسم حسن الترابي بها باعتباره المرجعية الفكرية والسياسية للمشروع الإسلامي، بينما برز علي عثمان محمد طه كأحد مهندسي التمكين السياسي، وظهر علي كرتي بوصفه أحد أبرز مديري شبكات المال والنفوذ داخل الحركة الإسلامية.

كما ارتبط اسم عوض أحمد الجاز بالشبكات الاستثمارية والاقتصاد الموازي، فيما برز أحمد محمد آدم ضمن الوجوه التنفيذية داخل المنظمة، بينما مثّل سوار الذهب الغطاء الرمزي الأكثر قبولًا خارجيًا.

ويرى مراقبون أن القوة الحقيقية للمنظمة لم تنبع من خطابها الدعوي، بل من وجودها عند نقطة تقاطع ثلاث دوائر شديدة الحساسية ألا وهي المال الخليجي، والتنظيم الإسلامي، وحكومة الإسلاميين في السودان.

محطة الثلاثين من يونيو 1989

تجاوزت علاقة منظمة الدعوة الإسلامية بنظام الإنقاذ، لشواهد وقرائن وشهادات سياسية، حدود التعاطف الفكري أو الغطاء المعنوي، لتقترب من مستوى الشراكة البنيوية داخل مشروع التمكين الإسلامي الذي أطاح بالنظام الديمقراطي في السودان.

وتشير روايات متداولة داخل الأوساط السياسية السودانية إلى أن مقاراً مرتبطة بالمنظمة أو بشبكاتها في الخرطوم استُخدمت ضمن البنية اللوجستية المدنية التي دعمت التحضير لانقلاب الثلاثين من يونيو 1989.

ومن بين أكثر الروايات تلك التي تفيد بأن البيان الأول للانقلاب العسكري بصوت العميد حينها عمر حسن أحمد البشير جرى تسجيله داخل موقع ذي صلة بالمنظمة أو بشبكات الحركة الإسلامية.

الإمبراطورية المالية الموازية والاستثمار باسم الدعوة

أنشطة منظمة الدعوة الإسلامية شملت تلقي التبرعات والهبات، بل تطورت عبر العقود إلى شبكة استثمارية واسعة أثارت تساؤلات متزايدة حول حجم أصولها، وطبيعة شركاتها، والجهات المستفيدة من عوائدها.

وتشير تقديرات ومتابعات لقطاع الأعمال السوداني إلى أن المنظمة، بصورة مباشرة أو عبر كيانات مرتبطة بها، نسجت علاقات مع شركات عاملة في مجالات المقاولات والنقل والاستثمار العقاري والخدمات الصناعية والخدمات اللوجستية، مستفيدة من وضع قانوني استثنائي منحها تسهيلات تشغيلية وإعفاءات واسعة.

ويرى منتقدون أن هذا التمدد خلق ما يشبه اقتصاداً موازياً تحرك عند تقاطع الدعوي بالاستثماري والسياسي، بحيث لم تعد المنظمة مجرد مؤسسة خيرية، بل تحولت إلى مركز نفوذ مالي قادر على التأثير في حركة السوق وشبكات رأس المال المرتبطة بالمشروع الإسلامي.

وبحسب بيانات متداولة في أدبيات المنظمة وتقارير إعلامية سابقة، توسع نشاطها ليشمل ما بين 42 و48 دولة أفريقية، مع شبكة تشغيلية ضخمة قُدرت وفق أرقام غير رسمية بآلاف المواقع التابعة لها أو المرتبطة بها إدارياً وتمويلياً.

كما تشير تقديرات متقاطعة إلى أن حجم الإنفاق التراكمي للمنظمة منذ تأسيسها ربما تجاوز ما بين مليار وملياري دولار أمريكي عند احتساب التبرعات النقدية والأوقاف والاستثمارات والتمويل الخليجي طويل الأمد.

كيف مر هذا الحجم من المال عبر الخرطوم دون أن يترك أثرًا تنمويًا جذريًا على السودان نفسه؟

تشير تقارير وروايات متعددة إلى أن منظمة الدعوة الإسلامية راكمت عبر العقود أصولًا ضخمة داخل السودان، شملت أكثر من مئة عقار داخل العاصمة، فضلًا عن أراضٍ استثمارية في الخرطوم وبحري وأم درمان، ومزارع واسعة في ولاية الخرطوم والولاية الشمالية والجزيرة، إلى جانب مبانٍ تجارية ومقار إدارية وأصول خارجية في أوغندا وجنوب السودان وتشاد ونيجيريا والسنغال.

ويرجح بعض المتابعين أن القيمة السوقية الإجمالية لهذه الأصول تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، وهو حجم من التملك جعل المنظمة عملياً أقرب إلى دولة اقتصادية داخل الدولة.

ومن أكثر الملفات غموضاً في تاريخ المنظمة حجم التمويل القادم من الخليج. وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن الجزء الأكبر من التمويل جاء تاريخياً من السعودية وقطر والكويت عبر مؤسسات خيرية ورجال أعمال وأوقاف خاصة ولجان زكاة.

كما تشير بعض التقديرات الصحفية إلى أن التدفقات السنوية في بعض الفترات، خاصة بين 1992 و2010، ربما تراوحت بين ثلاثين وثمانين مليون دولار سنوياً.

إن صحت هذه الأرقام، فالحديث أصبح ولاشك عن منظومة مالية عابرة للحدود. وإذا افترضنا بصورة محافظة أن متوسط التمويل السنوي كان أربعين مليون دولار فقط لمدة ثلاثين عاماً، فهذا يعني مرور ما لا يقل عن 1.2 مليار دولار أمريكي عبر المنظومة.

هذا الرقم وحده كافٍ لطرح أسئلة واقعية فكم صُرف فعلًا على الفقراء؟ وكم ذهب للاستثمار؟ وكم تحول إلى شبكات نفوذ؟ وكم استُخدم سياسياً؟ لأن أخطر ما في ملف منظمة الدعوة هو احتمال استخدام العمل الخيري كغطاء لبناء سلطة موازية للدولة بالإضافة للفساد المالي.

مسارات التفكيك وصراع الشرعية بعد ثورة ديسمبر

واجهت الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالنظام السابق عاصفة قانونية ومحاسبية عقب سقوط نظام الإنقاذ في عام 2019، مع صعود لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال العامة التي استهدفت تفكيك البنية المالية والاقتصادية التي تشكلت خلال ثلاثة عقود من التمكين.

وفي هذا السياق، طُرحت منظمة الدعوة الإسلامية ضمن الملفات الأكثر إثارة للجدل بالنظر إلى حجم أصولها العقارية والاستثمارية وشبكاتها المالية الممتدة داخل السودان وخارجه.

وشملت المراجعات القانونية والتدقيقات ملفات تتعلق بالعقارات والأراضي الاستثمارية والأرصدة البنكية والملكية الفعلية للأصول والعلاقات بين المنظمة وشركات تدور في فلكها.

غير أن هذا المسار شهد ارتداداً كبيراً بعد انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، حين تعطل مشروع التفكيك وتعرضت قرارات عديدة للإلغاء من السلطة الانقلابية، ما أعاد الصراع حول الشرعية والملكية إلى نقطة الصفر.

ويرى منتقدون أن هذا الارتداد القانوني أتاح لشبكات النظام القديم استعادة جزء معتبر من نفوذها المالي والتنظيمي، وأعاد إلى الواجهة أسئلة حساسة حول قدرة الدولة السودانية على تفكيك الاقتصاد الموازي الذي نشأ عند تقاطع السلطة والمال والأيديولوجيا.

وبذلك فإن الصراع حول منظمة الدعوة تعدى كونه مجرد خلاف إداري حول مجلس أمناء أو أمانة عامة ليصبح صراعاً على واحدة من أكثر البنى المالية غموضاً وتعقيداً التي أنتجها مشروع الإسلام السياسي في السودان.

لماذا انفجر الصراع الآن؟ لحظة انكشاف الخزنة المغلقة

يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا التشريح التاريخي والمالي هو لماذا انفجر الصراع داخل منظمة الدعوة الإسلامية الآن تحديداً، وليس قبل خمس سنوات أو عشر؟ ولماذا تحولت الخلافات الإدارية المعتادة إلى معركة مفتوحة بين أجنحة الحركة الإسلامية نفسها؟

تكمن الإجابة، وفق قراءة متقاطعة لمسار الأحداث، في أن الأزمة الراهنة لم تعد مجرد صراع نفوذ على المناصب، بل صراع على السيطرة على الأرشيف المالي الكامل للمنظمة؛ أي على الحسابات البنكية، وسجلات التحويلات الخارجية، وملفات الأصول العقارية، والعقود الاستثمارية، والارتباطات المالية الممتدة عبر السودان وأوغندا وجنوب السودان ودول أخرى.

فطوال عقود، ظلت هذه الملفات محاطة بدرجة عالية من السرية، ولم تخضع لمراجعة مستقلة وشفافة بالمعايير المؤسسية الحديثة.

لعل ما تغيّر اليوم هو أن دخول إدارة جديدة إلى قلب المنظمة لم يهدد فقط موازين النفوذ التقليدية، بل هدد بكشف الطبقات الأعمق من المنظومة المالية نفسها.

وهنا يتحول الصراع من خلاف إداري إلى معركة وجود؛ لأن فتح الملفات لا يعني فقط اكتشاف تجاوزات محاسبية محتملة، بل يقود إلى كشف مسارات التمويل القديمة، وشبكات تحويل الأموال، والعلاقة بين العمل الخيري والاستثمار السياسي، وربما وهو الأخطر تحديد الجهات التي استفادت فعلياً من مليارات الدولارات التي دارت داخل هذه المنظومة منذ الثمانينيات.

لهذا، فإن ما يجري اليوم داخل منظمة الدعوة الإسلامية لا يمكن قراءته بوصفه نزاعاً بيروقراطياً محدوداً بين مجلس أمناء وأمانة عامة، بل باعتباره لحظة انكشاف تاريخية تكشف لأول مرة كيف أُديرت واحدة من أكثر المؤسسات غموضاً في تاريخ السودان الحديث.

ومن هنا نواصل في الجزء الثاني من هذا التحقيق، إذ ننتقل من التاريخ البنيوي للمنظمة إلى الوقائع الراهنة: جوبا، كمبالا، الصراع على الشرعية، والتحركات المحمومة لاحتواء ما قد يخرج من الخزنة المغلقة.

صحيح السودان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.