عندما تصطدم أحلام البرهان بحائط القوى المدنية..

 

عندما تصطدم أحلام البرهان بحائط القوى المدنية..

 

✍️كتب أحمد عثمان محمد المبارك

 

تنطلق مساعي عبد الفتاح البرهان للاستئثار بالسلطة في السودان من متلازمة البحث الدائم عن الشرعية، وهي رحلة محفوفة بالتحولات المعقدة التي حاول عبرها تقديم نفسه للعالم كضامن لاستقرار دولة تتداعى تحت وطأة الحرب. غير أنه في  هذه الرحلة المضنية يتجاهل حقيقةً تاريخيةً مفصلية، وهي أنه فوت على نفسه الفرصة الذهبية الأسهل والأكثر استدامة لنيل تلك الشرعية، فعندما ثار الشارع الغاضب ضد ابن عوف وأسقطه في أقل من أربع وعشرين ساعة، وجد البرهان نفسه في مواجهة لحظة قدرية فارقة لاستلام قيادة المجلس العسكري. فلو أنه وقف حينها صادقاً مع جذوة الثورة، وسعى بجدية لتحقيق شعاراتها بالانتقال المدني واستحقاقات التحول الديمقراطي، لحمله الشارع على الأكتاف وشيعه بعرفان شعبي من البدلة العسكرية إلى مقعد الحاكم المدني بشرعية جماهيرية كاسحة، بدلاً من الدخول في صراع ممتد ومكلف أفقده رصيده السياسي والشعبي.

 

ف​بدلاً من اغتنام تلك اللحظة التاريخية لبناء زعامة مدنية يلتف حولها الجميع، اختار البرهان مسار المواجهة والاستئثار، ليدخل في سلسلة من التفاهمات التكتيكية والمناورات التي توجها بانقلابه على الثورة في أكتوبر 2021، ومن ثم الانزلاق إلى الحرب الراهنة. ومنذ ذلك الحين، تحول طموح الحكم لديه إلى رحلة تفتيش دؤوبة عن غطاء دولي وإقليمي يسبغ الصفة الرسمية على أمر واقع فرضه بالسلاح. وفي سبيل هذا الهدف، راهن البرهان على الموازنات البراغماتية والدبلوماسية الالتفافية، والتواصل مع موظفي ومسؤولي المنظمات الدولية والإقليمية عبر تقديم التسهيلات والتعهدات، محاولاً شراء الوقت واستمالة اعتراف يسد رمق عزلة نظام يفتقر للأساس الشعبي.. إلا أن هذا الرهان أثبت تحوله إلى استنزاف مستمر دون نتائج ملموسة.

​فصادفت تحركاته حائطاً صلباً شيدته القوى المدنية الديمقراطية التي فطنت مبكراً لطبيعة هذا المشروع، واستطاعت أن تخوض معركة دبلوماسية موازية لا تقل شراسة عن الصراع الميداني. ونجحت القوى المدنية عبر تكتلاتها وشبكة علاقاتها السياسية في تجريد التحركات الرسمية من محتواها الإستراتيجي، واستفادت من الوعي الدولي المتزايد بضرورة العودة إلى المسار الانتقالي نحو الحكم المدني، بتقديم خطاب مضاد يكشف هشاشة التعهدات الرسمية ويؤكد أن أي اعتراف بالشرعية يعني إطالة أمد الصراع وتغذية الانقسام. فصار هذا الحراك المدني إرباكاً مستمراً لمساعي البرهان، فجعل من محاولات اختراق الهيئات الدولية والإقليمية مجرد كسب لوقت مستقطع، تنتهي غالباً بمواقف دولية حذرة ترفض منح الشرعية التامة.

 

​ومع امتداد أزمة الحكم وتفاقم كلفته الاجتماعية والسياسية، يتبدى جلياً حجم المأزق الذي آلت إليه هذه التجربة، فالرغبة العارمة في الحكم دون تفويض شعبي أو سند دستوري أدت إلى نتيجة عكسية تماماً، لفظت فيها المؤسسات الإقليمية السلطة القائمة وجمّدت عضويتها، وامتنع المجتمع الدولي عن تقديم الاعتراف الشامل، بينما انفضت الجماهير عن مشروع رأت فيه تنكراً لتضحياتها.

 

لذلك فإن المعركة على مشروعية الحكم في السودان أثبتت أن الدبلوماسية الالتفافية والتوافقات الخلفية لا يمكن أن تعوض الإرادة الشعبية المفقودة، وأن الفرصة التي أُهدرت في بداية الطريق كانت الطريق الوحيد لشرعية حقيقية لا تنتزع بقوة السلاح ولا تشترى بصفقات الأروقة المغلقة.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.