ما وراء مقال الدكتورة أماني الطويل.. هل يغفر السودانيين؟

ما وراء مقال الدكتورة أماني الطويل..

هل يغفر السودانيين؟

 

✍🏼أحمد عثمان محمد المبارك

 

وقع بين يدي مقال للدكتورة المصرية أماني الطويل بعنوان (نحو أفق مصري سوداني جديد)، فوجدت نفسي أمام محاولة جادة لانتشال العلاقة التاريخية بين ضفتي النيل من وحل الشعارات العاطفية المكرورة إلى فضاء السياسة التنموية والرهان على أجيال جديدة تتجاوز الماضي. ومع تقديري للعمق الفلسفي الذي استلهمته الكاتبة من تجربة المهندسة الراحلة (مزن النيل) في محاولة صياغة شراكة ندية بين السودان ومصر يقودها الشباب، إلا أنني شعرت بضرورة وضع هذا الطرح في ميزان الواقع الدامي الذي يعيشه الإنسان السوداني اليوم، إذ لا يمكننا الحديث عن أفق جديد دون المرور عبر جسر الحقائق المريرة التي كشفتها حرب الخامس عشر من أبريل…

 

​وتبرز تجربة الراحلة مزن النيل في هذا السياق كنموذج استثنائي؛ ولمن لم يعرف المهندسة الشابة مزن ابوعبيدةالتيل.

مزن أبوعبيدة النيل المولود في عام 1986 فهي مهندسة، باحثة، وكاتبة سودانية بارزة، توفيت في أبريل 2026 بالإمارات بعد معاناة مع المرض. عرفت بكونها صوتاً أكاديمياً ومناضلة مدافعة عن قضايا العدالة والاقتصاد، تاركة إرثاً فكرياً ومقالات تحليلة مهمة حول الأوضاع في السودان. وقد كانت مزن صوتاً جسوراً في الثورة السودانية، وكرست حياتها لنقد التنمية المشوهة ورفض التبعية، محاولةً من خلال أبحاثها ومواقفها بناء جسور معرفية بين السودان ومصر تقوم على الفهم العميق للاحتياجات المحلية بعيداً عن إملاءات المركز. ورحيلها المفاجئ في القاهرة، وهي في قمة عطائها، جعل منها رمزاً لهذا “الجيل الوسط” الذي يحلم بوادي نيل يجمعه العلم والإنصاف لا الاستغلال والتبعية.

 

​وبالعودة لرؤية أماني الطويل فأن القارئ يجد نفسه أمام (يوتوبيا) تنموية حالمة تتحدث عن مواطنة عابرة للحدود وهندسة اجتماعية مشتركة، لكنها تصطدم مباشرة بمرارة الواقع على الأرض، حيث يواجه السودانيين النازحين من جحيم الحرب معاملة توصف في كثير من الأحيان بالمهينة على الحدود المصرية وفي مراكز القرار الأمني المصري. فكيف يمكن لهذا النازح الذي أُرهق بانتظار التأشيرة أو واجه حملات التضييق في شوارع القاهرة أن يقتنع بوعود أماني الطويل بالتكامل الاقتصادي. هذه الفجوة بين خطاب نخبوي وبين أنين المواطن السوداني الذي جُرح في كرامته الإنسانية ستمثل العائق الأول أمام أي مشروع تكاملي مستقبلي..

و​علاوة على ذلك، فإن الحديث عن سلاسل القيمة وإدارة الموارد المشتركة يفتح جرحاً نازفاً يتعلق بما كشفته الحرب من حقائق اقتصادية صادمة، حيث يراقب السودانيون بحسرة، كيف تحولت دولتهم المنهكة إلى منبع للموارد المهربة من ذهب ومحاصيل وماشية، تتدفق نحو الشمال تهريباَ او بأسعار زهيدة لتدعم اقتصاداً آخرا، بينما يفتقر السودان لأبسط مقومات بقاء الدولة. هذا النزيف المنظم للموارد، والذي لم تنجح الأطر الرسمية في لجمه، يعزز القناعة الشعبية السودانية بأن المركز المصري لا يرى في السودان سوى مخزن للموارد وليس شريكاً، وهو ما يجعل أي دعوة للتعاون الاقتصادي تبدو في نظر الكثيرين من السودانيين مجرد غطاء لتشريع هذا الاستنزاف.

 

​ولا تكتمل الصورة دون استحضار الإرث السياسي الثقيل، فالمخيلة الجمعية السودانية مشحونة بمرارات التاريخ التي ترى في القاهرة دائماً الحليف الاستراتيجي للأنظمة العسكرية والبيروقراطية التي أجهضت أحلام الثورات السودانية المتعاقبة. لذا فإن الرهان على جيل جديد كمزن النيل يتطلب أولاً تفكيك هذه المركزية المصرية التي طالما فضلت الاستقرار الأمني تحت ظلال الجنرالات على حساب التحول المدني الديمقراطي. لذا، مما يجعل قبول رؤية الدكتورة أماني الطويل في الداخل السوداني رهيناً بحدوث مراجعة نقدية مصرية شاملة، تبدأ باعتراف شجاع بالخطايا السياسية والمعيشية، وتنتقل من منطق الهيمنة الناعمة إلى منطق الاحترام المتبادل للسيادة وللكرامة الفردية. فبدون مداواة هذه الندوب العميقة التي خلفتها الحرب، سيظل الرؤيا لأي أفق جديد مجرد سراب فكري يداعب خيال النخبة، بينما يغرق الواقع في مزيد من الجفاء والانفصال النفسي بين شعبين لم تعد تجمعهما سوى جغرافيا قاسية وذاكرة مثقلة بالخذلان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.