تصدعات في معسكر بورتسودان: إخوان السودان بين شقي الرحى!
تصدعات في معسكر بورتسودان: إخوان السودان بين شقي الرحى!
سعد الدين الماحي
لعله مما يمكن من فهم الصراع السوداني بصورة أفضل، الرجوع للأسباب التي قادت لاشتعالها، وأهداف من خططوا لها وأطلقوا رصاصتها الأولى عن قصد وتدبير، أي الحركة الإسلامية في سعيها للعودة للسلطة عن طريق الجثث والجماجم، بعد أن لفظهم السودانيون في ديسمبر الميمون.
ففي الخامس عشر من أبريل، وبعد ما يزيد عن العام من انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر، لم يستطع الإخوان السيطرة على شهوة انتقامهم من السودانيين وفش الغبينة، وظنوا أنهم قادرين على كسر شوكة قوات الدعم السريع في ساعات من واقع استهانتهم بها، وعدم تقييم قدراتها العسكرية بصورة واقعية، واستبد بهم وهم الانتصار نسبة لاعتمادهم على عنصر الغدر والمفاجأة وإحداث الصدمة، ولذا فقد كانت أشهر الحرب الأولى وبالاً على إخوان الشياطين، ودفعوا ثمن استهانتهم بالعواقب.
وبنظرة لواقع الصراع في السودان اليوم وعلى الرغم من سيطرتهم على مناطق واسعة في شمال وشرق البلاد وتمكنهم من موارد الدولة، لكنك تجد أن السجل الجنائي الإجرامي للإخوان قد تعاظم بفعل الجرائم الموثقة التي ارتكبوها خلال سنوات الحرب الثلاث، وأن القوى المدنية السودانية التي لم يكونوا يحسبون لها حساباً بعد أن تفرقت عضويتها في المنافي، نجحت في الدفع بتصنيفهم كمنظمة إرهابية مستباحة الدم والمال، ما قطع الطريق أمام أوهام الإخوان في اصطناع الشرعية، وتسويقها للمنظمات الإقليمية والدولية.
وبعد ثلاث سنوات على الحرب، تظهر التصدعات في معسكر بورتسودان الإخواني نتيجة التباين في القوى المكونة للتحالف، فمن قوات مشتركة ارتبطت بالفساد والانتهاكات، ومليشيات قاممت على أسس إثنية ومناطقية، ودعوات لانفصال الشرق وأخرى لانفصال الشرق والشمال وتصاعد خطاب الكراهية بين مكونات التحالف، وكذلك التباين بين مشروع الحركة الإخوانية الرامي للانفراد بالسلطة، وشبكة المستفيدين من الحرب ومنهم المليشيات الموالية لهم التي تطمع دائماً في المزيد من السلطة، تصير مناطق سيطرة الحركة الإسلامية نهباً للنزاعات بين أمراء الحرب.
لم يظفر الكيزان من حربهم – بخلاف المال – سوى بشرعية مدعاة سعوا لتسويقها فلم تعترف بها سوى دول فضلت الاستثمار في الصراع بدلاً من السعي لإيقافه والتقت مصالحهم في هذا الجانب مع مصالح الإخوان المتعطشين للشرعية.
وحاولت السعودية في وقت سابق دعم حكومة بورتسودان ظناً منها أنها قد تتمكن من السيطرة على التنظيم الإرهابي العابر للحدود وتسخيره لخدمتها، أو إحبار قادة الجيش على إبعاد الإخوان، فقادتها قدميها لهجين مشوه من العصابات الإجرامية، لكنها سرعان ما اكتشفت خطأها باندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية، والتي هلل إخوان السودان فيها لإيران، وهي تطلق الصواريخ على دول الخليج ومنها المملكة السعودية لما يزيد عن الشهر.
كانت الحرب الإيرانية الأمريكية هي الحدث الذي علق الجرس في رقبة القط، فمن جانب حرص الإخوان على إبراز سيطرتهم على قرار الجيش عبر الظهور بالزي العسكري وتحريض إيران على دول الخليج، ومن جانب آخر فتح هذا الظهور اللافت للإخوان ملفات تتعلق بجريمة استخدام الإخوان السلاح الكيميائي في حوادث عديدة وموثقة، بالاشتراك مع الحرس الثوري الإيراني الذي انتقل من مجرد توريد السلاح الكيميائي إلى محاولة تمكين الإخوان من تصنيعه داخل السودان، لاستخدامه ضد السودانيين.
واليوم يحتفي الإخوان بالسواقط من لدن موسى هلال والنور القبة وأبو عاقلة كيكل ومناوي المثقلين بالانتهاكات، ومن خلفهم جبريل المكبل بالعقوبات الدولية، بينما يبتعد عنهم الحليف السعودي الذي استشعر الخطر وخبر غدر الإخوان، ولم يبق لهم من داعمين سوى تركيا وقطر، في ظل تصنيف إرهابي يجعل الدولتين عاجزتين عن دعمهم بصورة علنية وفاعلة.
أما الحليف الإيراني الأبرز فقد أفقدته الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل ما يمكنه من المنافسة عسكرياً، وهو يمضي ليصير مكبلاً باتفاقيات تجعل إعادة دعمه للجماعة الإرهابية المتطرفة خارج حدوده ضرباً من المستحيل.
الإخوان اليوم بين شقي الرحى، فليس هناك من سبيل لعودتهم ككيان للسلطة وإن اختبأوا خلف الجيش المسيس، أو حاولوا إقامة دولة على طريقة عهد الولاة في الأندلس، وهم مجبرون على التخفي وارتداء الأقنعة والعمل على استمرار الحرب في الخفاء، ومحاولة تسخير تناقضات حلفائهم لصالح التنظيم كحالهم اليوم، في انتظار أن فرض عقوبات محتوم على قادة ومؤسسة الجيش لارتباطهم بالجماعة الإرهابية، وحتى ينضب معين الخدع التي يستخدمها قادة التنظيم الإرهابي من العسكريين، وتصبح غير كافية لمواجهة ضغوط جدية قادمة، يصنعها السودانيون ومن خلفهم المجتمع الدولي، والعالم الحر.