ثلاثة أعوام من الألم: السودان بين الحرب والذاكرة ، ١٥ أبريل يوم انكسر فيه الوطن وجع مستمر وأمل منتظر
ثلاثة أعوام من الألم: السودان بين الحرب والذاكرة ، ١٥ أبريل يوم انكسر فيه الوطن وجع مستمر وأمل منتظر
بروفيسور أبو القاسم الرشيد
بروفيسور ابو القاسم الرشيد عضو المجلس الرئاسي في حكومة السلام وحاكم الاقليم الشمالي
في الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، يقف السودانيون على أطلال وخراب وطنٍ أنهكته وأودت به سنوات من العنف والدمار، مستحضرين ومستذكرين واحدة من أكثر اللحظات عنفاً وقسوة في تاريخهم الحديث. لم يكن ذلك اليوم مجرد تاريخٍ عابر، بل كان بداية فصلٍ مظلم كئيب كُتب بدماء الأبرياء، حين تفجرت الحرب في قلب العاصمة الخرطوم حتى وصلت إلى عدد كبير من المدن في أقاليم السودان المختلفة، وامتدت نيرانها لتطال الإنسان والمكان على حد سواء.
لقد شهد السودان منذ ذلك اليوم تدهوراً غير مسبوق في مختلف مناحي الحياة. مدنٌ كاملة تحولت إلى ساحات قتال وإلى أكوام رماد، ومؤسسات خدمية وطبية وتعليمية واقتصادية خرجت عن الخدمة أو دُمرت بشكلٍ واسع. المستشفيات التي كانت ملاذاً للمرضى أصبحت عاجزة ومحل استهداف مباشر ومتعمد من كتائب ومليشيات التنظيم اللا إسلامي الارهابي للكيزان والمدارس أغلقت أبوابها، والبنية التحتية انهارت تحت وطأة القصف والإهمال. وتشير تقديرات وتقارير دولية إلى أن حجم الدمار أعاد البلاد عقوداً إلى الوراء، تاركاً آثاراً عميقة ستحتاج سنوات طويلة لمعالجتها حال توقف الحرب باندحار وزوال هذا التنظيم العالمي الاجرامي الذي لا يعرف حرمة النفس البشرية ولا يعترف بالدولة الوطنية.
وفي خضم هذا المشهد المأساوي، تتزايد الاتهامات الموجهة إلى أطرافٍ إقليمية ودولية دأبت وماتزال تقف مواقف سياسية مع هذا التنظيم وتقدم له الدعم العسكري والسلاح بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بالتمويل وبطرق أخرى سعياً إلى استعادة نفوذها بأي ثمن، بما في ذلك توظيف العنف وتصعيد الصراع. وقد وجّه كثير من المراقبين والناشطين انتقادات حادة لتيارات مرتبطة بالنظام الكيزاني السابق، متهمين إياها بلعب أدوارٍ في تأجيج النزاع وإطالة أمده، على حساب أرواح المدنيين واستقرار البلاد. كما يؤكد هؤلاء أن توظيف الخطاب الديني أو الأيديولوجي لتبرير العنف لا يمت بصلة لقيم الدين السمحة، بل يُسيء إليها ويشوّهها، والدين براء من تلك الأفعال والأفكار المنحرفة الهدامة.
أما الكلفة الإنسانية، فهي الأكثر فداحة. آلاف القتلى والجرحى، وملايين النازحين واللاجئين الذين اضطروا لترك منازلهم بحثًا عن الأمان. عائلات تفرقت، وأطفال حُرموا من أبسط حقوقهم في الحياة والتعليم والاستقرار. وفي ظل استمرار الصراع، ما تزال الانتهاكات تُرتكب، وسط معاناة يومية يعيشها المدنيون الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين نيران لا ترحم ووجدان اقوام قلوبهم خواء من معاني الإنسانية والعواطف الفطرية التي هل من جبلة الإنسان التي فطره الله عليها.
ورغم كل هذا الألم، يظل الأمل حاضرًا في وجدان السودانيين. أمل في أن تتوقف الحرب، وأن يُفتح بابٌ حقيقي للسلام، يُعيد للبلاد عافيتها، ويُمكّن أبناءها من إعادة بناء ما تهدّم. فالتاريخ، مهما اشتد ظلامه، لا بد أن يفسح المجال لنورٍ جديد، يُكتب بإرادة الشعوب وصمودها.
إن هذه الذكرى ليست فقط مناسبة للحزن واسترجاع المآسي واجترار الماضي، بل هي أيضًا دعوة للتأمل والمساءلة، ولمحاسبة كل من أسهم في هذا الخراب، والعمل من أجل مستقبلٍ لا تكرر فيه مثل هذه الكوارث.
ثلاثة أعوام مضت، وما زال الجرح نازفًا، لكن الإيمان بقدرة الله على ان يتمكن السودان من النهوض من جديد يبقى أقوى من كل محاولات كسره.