التحالف القبلي للدولة السودانية
قبيلتين + وكيل أنفار محلي
بقلم / عمار نجم الدين
لا تكمن عبقرية السلطة في السودان في قدرتها على التجديد، بل في مهارتها الفائقة في “إعادة التدوير”. فالمسألة ليست مجرد أسماء عابرة، بل هي مسارات بنيوية صلدة؛ فحين تكتشف أن الوجوه تخرج دائماً من نفس الخلاط الاجتماعي–الجغرافي، يصبح من السذاجة الحديث عن “حكم قبائل”، إذ ليس كل ما يلمع ذهباً، وليس كل خطابٍ قبليٍ حَمِيّة الحقيقة أن ما يحكم هو تحالف نخبوي عابر للأجيال، يرتدي عباءة القبيلة حين يحتاج للحشد، ويخلعها حين يهزم يتحدث باسم قومية كاذبة اساسها التعدد الإثني و الثقافي .
منذ لحظة السودنة في 1954، بدت اللعبة واضحة، وكأنها تؤكد أن التاريخ هو مرآة الماضي وصورة المستقبل التي لا تتغيرانتقلت قيادة “قوة دفاع السودان” من جنرال بريطاني بملامح استعمارية، إلى ضابط سوداني اسمه وهو محمد باشا أحمد الجعلي لم يكن هذا الانتقال تحرراً وطنياً بالمعنى الرومانسي، بل كان استلام وتسلم داخل نفس الحيز الاجتماعي الذي قرر احتكار المصنع العسكري، فـ من مأمنه يُؤتى الحذر، وقد أُخذت الدولة من داخل حصونها الاجتماعية لا من خارجها. ولم تكد تمر سنوات قليلة حتى صعد إبراهيم عبود (الشايقي) لرئاسة الأركان، وهو الموقع الذي يمثل “مطبخ” الجيش الحقيقي، ليؤسس بعدها أول ديكتاتورية عسكرية، مكرساً القاعدة الذهبية: الطريق إلى القصر يمر حتماً عبر التحكم في مفاصل المؤسسة العسكرية المحروسة بأسوار هذا الحيز الاجتماعي المغلق.
هذا النمط النخبوي القبلي ليس تاريخاً غابراً، بل هو كتالوج العمل الحالي، و ما أشبه الليلة بالبارحة في تجليات الصراع. فالمشهد الراهن يقدم لنا عبد الفتاح البرهان (الجعلي) على رأس السلطة، بينما يضبط إيقاع الأركان ياسر العطا (الشايقي). إنه ذات “الثنائي” التاريخي الذي يعيد إنتاج نفسه تحت مسمى “القيادة العامة”، في استمرارية بنيوية تثير السخرية من فكرة “الصدفة”، فالأمر كما قيل الأمور بخواتيمها، وبداياتها تنبئ عن نهاياتها هذا التحالف لا يعمل كجمعية خيرية لأبناء نخبة القبيلة، بل كشبكة سلطة صلبة، تختبئ خلف “النشيد الوطني” لتمرير صفقات الاستئثار، مع ترك بقية أقاليم السودان في مقاعد المتفرجين، يصفقون لمسرحية لا يملكون ثمن تذاكرها.
ولأن الاحتكار وحده لا يكفي، استدعت البنية آلية “الوكيل تاجر الرقيق المحلي التاريخية، مدركةً أن “الحاجة أم الاختراع” حتى في أساليب القمع. وهي آلية تعود لقرن النخاسة (التاسع عشر)، حين كان المركز يدير تجارة الرقيق والعنف عبر وسطاء محليين. الزبير باشا لم يكن مجرد تاجر، بل كان “مقاولاً” يربط المركز الاستعماري بالأطراف عبر السوط. كان الزبير. باشا رحمة يستخدم القادة المحليين “كمصائد” لبني جلدتهم، ثم يلقي بهم في سلة المهملات التاريخية فور انتهاء الصلاحية، فـ “الظلم مؤذن بخراب العمران وأول الخراب يبدأ بتمزيق النسيج الاجتماعي عبر الوكلاء. لم تكن علاقة “أهل”، بل كانت علاقة “وظيفية” بحتة؛ حيث يتحول الإنسان إلى مجرد أداة لتنفيذ القذارات التي يترفع عنها المركز “الأنيق”ذو النياشين الاستعمارية .
وفي هذا السياق التفكيكي، يبرز شمس الدين كباشي كأحدث طراز من هؤلاء “الوكلاء البنيويين”. لم يصعد كباشي لشخصه، بل لأن البنية احتاجت لـ “وجه من الهامش” يمتلك القدرة على تحمل التكلفة الأخلاقية لجرائم المركز. ارتبط اسمه بفاجعة فض الاعتصام، ثم استمر “كعامل مياومة” في الملفات العسكرية والاستخباراتية في جنوب كردفان وجبال النوبة. كباشي هنا هو النسخة الحديثة من “السلاطين” القدامى الذين كانوا يفتحون أبواب الغابة للنخاس؛ يُستغل انتماؤه لتمرير قرارات يرفضها أهله، ويُستخدم كساتر ترابي يحمي النخبة المركزية من غضب الهامش، وفي هذا تجسيد للمثل: “لا يفلّ الحديد إلا الحديد”إذ يُضرب الهامش بأبنائه.
لكن تراجيديا “الوكيل” تكمن دائماً في “تاريخ الانتهاء”، و”دوام الحال من المحال فالبنية التي استأجرته لا تعتبره يوماً جزءاً من نسيجها الأصيل، بل هو “موظف بعقد مؤقت”. وحين تنتهي المهمة، يُلقى به في العراء؛ فلا هو نال اعتراف النخبة التي خدمها، ولا هو حافظ على ود مجتمعه الذي باعه، ليخرج من اللعبة خالي الوفاض؛ فلا هو استبقى لنفسه ظهيراً شعبياً، ولا هو نال صك الغفران من نخبة لا تعترف إلا بذاتها. إنه المصير الكلاسيكي لكل من ظن أن قربه من “المركز” سيجعله شريكاً، بينما هو في الحقيقة مجرد “ممسحة” لآثار الجريمة.
إن تبسيط المشهد في السودان بوصفه “صراعاً قبلياً” هو نوع من العبث التحليلي، الظاهرة لا تخفى مهما حاولوا حجبها بغبار القبلية. القبيلة ككيان اجتماعي لا تملك الدبابات ولا تدير البنك المركزي. ما نراه هو “كارتيل” نخبوي يستخدم القبيلة كوقود للمدافع، بينما يحتفظ بالريموت كنترول داخل دائرة مغلقة. السؤال الذي يجب أن يؤرقنا ليس عن قبيلة القائد، بل عن “الماكينة” التي لا تنتج إلا هذا النوع من القادة.
تفكيك هذا العبث لا يبدأ بتغيير الوجوه أو استبدال قبيلة بأخرى في “كشف التنقلات”، بل بهدم البنية الاحتكارية من أساسها؛ عبر بناء مؤسسة عسكرية مهنية لا تعترف بـ “شجرة العائلة”، وفتح أبواب السلطة بناءً على الكفاءة لا على “الخارطة الجغرافية”. ودون ذلك، سنظل ندور في هذه الساقية: وكلاء يرحلون، وأسماء تتبدل، بينما تبقى “البنية” تدير الدولة باسم الشعب… وتنهبها باسم “الخلفية الاجتماعية”.
عمار .