افضل إنجازات البرهان في شهر مارس
افضل إنجازات البرهان في شهر مارس
مجاهد بشرى
لم يكن شهر مارس 2026 مجرد محطة عابرة في مسار الحرب السودانية، ولا يمكن اختزاله في كونه فترة شهدت تراجعًا عسكريًا هنا أو خسارة ميدانية هناك، ما حدث خلال هذا الشهر كان تحوّلًا بنيويًا عميقًا، كشف عن حالة تفكك داخلي أصابت منظومة السلطة العسكرية في بورتسودان في قلبها، وليس في أطرافها.
لقد انتقلت الأزمة من كونها صراعًا بين طرفين إلى حالة أكثر تعقيدًا، أصبح فيها النظام ذاته ساحة للصراع، تتداخل داخله التناقضات، وتتآكل فيه عناصر السيطرة، ويتراجع فيه التماسك الذي كان يمثل شرط بقائه الأساسي، ومن هنا، فإن فهم مارس 2026 لا يكون بوصفه شهر هزائم، بل باعتباره لحظة انكشاف تاريخية، فقد فيها نظام بورتسودان القدرة على الاستمرار ككيان منظم متماسك.
في البعد الدبلوماسي، برزت أولى علامات هذا التفكك عبر التحول الصامت في موقف الحلفاء الإقليميين، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، التي كانت تمثل أحد أهم أعمدة التوازن الخارجي للسلطة، فقد تزامن هذا الشهر مع تعثر صفقة تسليح استراتيجية ضخمة، كانت تهدف إلى إعادة ترجيح الكفة العسكرية لصالح الجيش السوداني، إلا أن ما جرى لم يكن مجرد توقف تقني أو خلاف تفاوضي، بل كان تعبيرًا عن فقدان الثقة، وهو ما المحت إليه الرياض، هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط بشكل مباشر بتزايد القلق الإقليمي من طبيعة التحالفات داخل الجيش، خاصة مع تصاعد نفوذ التيار الإسلامي وخطابه المتعارض مع المصالح الخليجية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.وكان المحرك الأساسي لهذا التحول هو غياب “وحدة القرار” داخل معسكر بورتسودان، وبروز عناصر إيديولوجية تعادي التوجهات الأمنية الإقليمية و السعودية بشكل خاص، وهنا يظهر الترابط بوضوح، إذ لم يكن العامل الخارجي هو من أسقط الدعم، بل كان الخلل الداخلي هو ما دفع الحلفاء إلى إعادة حساباتهم، وهو ما أكدته تقارير أشارت إلى تنامي القلق الإقليمي من مسار القيادة العسكرية خلال هذا الشهر، ويعود السبب الجوهري لهذا التجميد إلى رصد استخباراتي لتصريحات قيادات “كتيبة البراء بن مالك” التي أعلنت ولاءها للمحور الإيراني في أوج الصراع الإقليمي بالنسبة للرياض، كان تمويل جيش مخترق بميليشيات توالي طهران يمثل خطراً استراتيجياً غير مقبول. 
هذا التراجع في الدعم الإقليمي لم يكن حدثًا معزولًا، بل فتح الباب مباشرة أمام تآكل الحاضنة الدولية، حيث بدأ ملف السودان يتحول تدريجيًا من نزاع داخلي إلى قضية دولية تخضع لمراقبة قانونية وإنسانية متزايدة. فقد أشارت تقارير دولية إلى أن قيادة الجيش أصبحت تُنظر إليها كعقبة أمام التسوية السياسية، في ظل رفض متكرر لمبادرات التهدئة وتصاعد الانتهاكات ضد المدنيين . هذا التحول في نظرة المجتمع الدولي غيّر طبيعة الصراع بالكامل، حيث لم يعد السؤال متعلقًا بميزان القوة، بل أصبح مرتبطًا بالمساءلة، وهو ما يعني أن النظام لم يعد يخسر في الميدان فقط، بل بدأ يخسر في الشرعية.
في الداخل، تزامن هذا التآكل الخارجي مع تصدع واضح في بنية التحالف السياسي، حيث بدأت مكونات المعسكر الحاكم تفقد انسجامها تدريجيًا. فقد برزت تحركات سياسية لافتة، من بينها مشاركة مني أركو مناوي في فعاليات دولية في سويسرا، حيث ناقش تطورات الأوضاع في السودان وسبل دعم السلام، في إشارة واضحة إلى تحول في التموضع السياسي لبعض الحلفاء . هذه التحركات لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق العام، فهي تعكس تراجع الثقة في قدرة السلطة المركزية على إدارة الأزمة، وتشير إلى بداية خروج الحلفاء من عباءة القرار الموحد إلى فضاء البحث عن بدائل..
مثلت مشاركة مناوي في فعاليات دولية بسويسرا خلال مارس 2026 لحظة الانفصال الفعلي؛ حيث تجاوز سلطة بورتسودان وخاطب المجتمع الدولي مباشرة حول الأزمة الإنسانية، تصريحاته حول “فشل الحكومة في إدارة الأزمة” وضرورة البحث عن مخرج سياسي بعيداً عن لغة الرصاص كانت بمثابة إعلان رسمي عن انتهاء صلاحية التحالف القائم وعندما يبدأ الحليف في مخاطبة العالم خارج إطار السلطة التي ينتمي إليها، فإن ذلك يعني أن مركز الثقل السياسي للنظام قد بدأ في التآكل.
في الوقت نفسه، شهد الخطاب الداخلي انفلاتًا غير مسبوق، حيث تصاعدت نبرة التصريحات الصادرة من مكونات إيديولوجية داخل المعسكر، بشكل يتناقض مع المصالح الدبلوماسية للدولة. هذا التضارب لم يكن مجرد اختلاف في الرأي، بل كشف عن تعدد فعلي في مراكز القرار، حيث لم تعد القيادة العسكرية قادرة على ضبط الخطاب أو توجيهه. وهنا يتجلى أحد أخطر مظاهر التفكك الهيكلي، إذ تفقد الدولة قدرتها على التعبير بصوت واحد، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى إضعاف موقعها التفاوضي وإرباك حلفائها.
على المستوى العسكري، لم تكن التطورات الميدانية بمعزل عن هذه التحولات، بل جاءت لتؤكدها وتكشف عمقها. فقد أظهرت المعارك في النيل الأزرق، خاصة في منطقة الكرمك، فجوة واضحة بين الرواية الرسمية والواقع العملياتي، حيث فقد الجيش السيطرة على مواقع استراتيجية، في ظل ضعف التنسيق وتراجع القدرة على إدارة العمليات. هذه الخسائر لم تكن نتيجة ضغط عسكري فقط، بل كانت انعكاسًا مباشرًا لتراجع الدعم اللوجستي، وتعدد مراكز القيادة، وغياب الانسجام داخل القوات نفسها. وبذلك، يصبح الميدان مرآة للوضع السياسي، حيث تعكس الجغرافيا ما يحدث داخل غرف القرار…
برزت إشكالية “تعدد مراكز القيادة” كأوضح مثال على مواجهة النظام لنفسه؛ حيث بدأت الكتائب الإيديولوجية تتصرف بمعزل عن التراتبية العسكرية، وجد البرهان نفسه مضطراً لاعتقال قيادات من معسكره (مثل الناجي عبد الله) لإرسال رسائل انضباط للخارج، مما أدى لتمزق جبهته الداخلية وإضعاف الروح المعنوية لقواعده المقاتلة.
هذا الترابط بين الداخل والخارج، بين السياسة والميدان، امتد ليشمل الجانب الاقتصادي، حيث دخلت السلطة في أزمة سيولة حادة نتيجة تجميد الدعم وتراجع الموارد، ومع تصاعد الضغوط الدولية، وتعقيد التحويلات المالية المرتبطة بالشبكات الإيديولوجية، بدأت ملامح اقتصاد البقاء في الظهور، حيث تتحول الدولة من إدارة الموارد إلى البحث عن مصادر بديلة، غالبًا ما تكون غير رسمية. هذا التحول لا يضعف الدولة فقط، بل يخلق مراكز قوى جديدة داخلها، ترتبط مصالحها باستمرار الفوضى، وهو ما يعمق التفكك بدلًا من معالجته.
في هذا السياق المتشابك، لم يعد من الممكن فصل المحاور عن بعضها البعض. فالتراجع الدبلوماسي لم يكن نتيجة ضغوط خارجية فقط، بل كان انعكاسًا للخطاب الداخلي. والخسائر العسكرية لم تكن مجرد فشل ميداني، بل نتيجة مباشرة لضعف الموارد وتعدد مراكز القرار. والانهيار الاقتصادي لم يكن حدثًا مستقلًا، بل نتيجة طبيعية للعزلة السياسية. بهذا المعنى، فإن مارس 2026 لم يكن سلسلة أزمات متزامنة، بل كان عملية تفكك متكاملة، تعمل فيها كل العوامل في اتجاه واحد: تفكيك النظام من الداخل.
وعند هذه النقطة تحديدًا، يحدث التحول الأخطر في مسار أي نظام. فحين يفقد القدرة على ضبط خطابه، وعلى الحفاظ على تحالفاته، وعلى تأمين موارده، وعلى إدارة ميدانه، فإنه لا يعود في مواجهة خصومه، بل يبدأ في مواجهة نفسه. مواجهة تناقضاته، مواجهة حلفائه، مواجهة عجزه عن اتخاذ قرار موحد. وهذا هو جوهر “نقطة الانكسار” التي كشفها مارس 2026: ليس أن النظام خسر معركة، بل أنه فقد القدرة على خوضها كنظام متماسك.
وبالتالي، فإن قراءة هذا الشهر لا ينبغي أن تركز على ما خسره النظام فقط، بل على ما فقده من خصائصه الأساسية كسلطة. فقد فقد القدرة على تعريف نفسه، وعلى ضبط بنيته، وعلى الحفاظ على توازنه. وهذه ليست خسارة تكتيكية يمكن تعويضها، بل تحول استراتيجي يضع النظام في مسار مختلف تمامًا، حيث يصبح البقاء ذاته هو التحدي الأكبر، وليس الانتصار.