فليرتعد الفساد… عودة لجنة التفكيك كابوس الكيزان الأكبر
فليرتعد الفساد… عودة لجنة التفكيك كابوس الكيزان الأكبر
حسن عبد الرضي الشيخ
لم يكن خبر استئناف عمل لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو ١٩٨٩ واسترداد الأموال العامة خبراً عادياً في المشهد السوداني، بل كان زلزالاً سياسياً وأخلاقياً ضرب أوكار الفساد في مقتل.
هذا الخبر لم يثقل على جماعة الكيزان فحسب، بل جاء عليهم أشد وقعاً من أي تصنيف سياسي أو إعلامي، حتى لو بلغ حد إعلانهم منظمة إرهابية.
لماذا؟
لأنهم يدركون، يقيناً لا يتسرب إليه الشك، أن هذه اللجنة ليست مجرد لافتة ثورية، بل هي أداة اقتلاع حقيقية، تمسك بملفاتهم، وتعرف مفاتيح خزائنهم، وتقترب من عصب بقائهم: المال والتمكين.
لقد كشفت التجربة أن الكيزان لا يخشون الشعارات، بل يخشون الحقائق.
لا يرهبهم الهتاف، بل يرعبهم التوثيق.
ولا يسقطهم الغضب وحده، بل تسقطهم الأدلة حين تُعرض أمام القضاء والرأي العام.
وهنا تكمن خطورة عودة اللجنة؛ فهي تعني ببساطة إعادة فتح الملفات التي حاولوا طمسها، وتعقب الشبكات التي ظنوا أنها أفلتت، وكشف الواجهات التي تخفوا خلفها لسنوات طويلة.
إن أول ما فعله انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر لم يكن عبثاً حين جمد عمل هذه اللجنة، لأنهم كانوا يعلمون أنها تمثل رأس الرمح في معركة تفكيك بنية الفساد التي شيدوها على مدى ثلاثين عاماً.
كانت اللجنة تمضي بثبات نحو تعرية منظومة كاملة من النهب المنظم، وتفكيك شبكة مصالح معقدة امتدت في كل مفاصل الدولة: اقتصاداً، وإدارة، وإعلاماً، وحتى في العمل الخيري والإنساني الذي تم توظيفه كغطاء للفساد.
واليوم، مع إعلان استئناف عملها، فإن الرسالة واضحة: لا عودة إلى الوراء.
فهذه ليست معركة سياسية عابرة، بل معركة وجود بين دولة القانون ومنظومة الفساد.
وهي معركة لا يمكن أن تُحسم إلا بالاقتلاع الكامل، لا بالتسويات الهشة ولا بالمساومات التي جربها السودان ودفع ثمنها من دمه واستقراره.
إن اللجنة، بما أعلنته من التزام بتتبع الأموال المنهوبة داخل السودان وخارجه، وملاحقة القيادات قضائياً، ومواجهة منصات التضليل الإعلامي، إنما تضع يدها على الجرح الحقيقي.
فالمعركة لم تعد فقط مع أفراد، بل مع منظومة متكاملة من الكذب والتضليل وغسل الأموال واستغلال الدين لتحقيق مكاسب دنيوية رخيصة.
ولعل أكثر ما يرعب الكيزان اليوم هو أن اللجنة لم تعد تعمل في فراغ، بل تستند إلى وعي شعبي متراكم، وإلى دعم دولي واقليمي، وإلى تجربة ثورية ناضجة أدركت أن إسقاط النظام لا يعني نهاية المعركة، بل بدايتها الحقيقية.
فالشعوب لا تنتصر فقط بإسقاط الطغاة، بل بتفكيك البنية التي أنتجتهم، وتجفيف المنابع التي تغذي عودتهم.
إن الحديث عن “كشف كل ما يمت لفسادهم بصلة” ليس دعوة للفوضى، بل تعبير عن ضرورة العدالة الجذرية؛ عدالة تقتلع الفساد من جذوره، لا تكتفي بقص فروعه.
عدالة تسترد الأموال، وتعيد الاعتبار للدولة، وتؤسس لمرحلة جديدة لا مكان فيها للتمكين أو المحاصصة أو الإفلات من العقاب.
وهنا، فإن جماهير الشعب السوداني وقوى ثورة ديسمبر أمام لحظة فاصلة: إما أن تلتف حول هذه المهمة التاريخية وتدفع بها إلى نهاياتها، أو تترك الباب موارباً لعودة نفس الوجوه بوسائل جديدة.
فالتاريخ لا يرحم التردد، والثورات التي لا تحمي نفسها تُسرق مرة أخرى.
ختاماً، يمكن القول بثقة إن عودة لجنة إزالة التمكين ليست مجرد قرار إداري، بل هي إعلان مرحلة جديدة من المواجهة الحاسمة.
مرحلة ستنكشف فيها الأقنعة، وتسقط فيها الواجهات، وتُسترد فيها الحقوق.
ولذلك، لم يكن غريباً أن يرتجف الكيزان من هذا الخبر أكثر من أي شيء آخر… لأنهم يعرفون أن ساعة الحساب قد اقتربت، وأن ما كان مستوراً بالأمس، سيُفضح اليوم، وأن ما نُهب في الظلام، سيعود إلى النور.