عودة زلزال التفكيك.

 

عودة زلزال التفكيك.

 

حصار دولي يخنق فلول الإرهاب.. وأموال الشعب المنهوبة في طريقها للوطن.

 

أحمد عثمان محمد المبارك

 

يعتبر البيان الصادر عن لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو واسترداد الأموال العامة في هذا اليوم السابع عشر من مارس 2026، بمثابة زلزال سياسي وقانوني أعاد ترتيب أوراق المشهد السوداني المكتظ بالتعقيدات، حيث تأتي هذه العودة في لحظة تاريخية فارقة تتقاطع فيها نيران الحرب الداخلية مع تحولات دراماتيكية في المواقف الدولية، وعلى رأسها القرار الأمريكي الحاسم بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية منظمة إرهابية.

 

إن هذا التزامن بين إعلان اللجنة استئناف نشاطها والقرار الأمريكي لا يبدو محض صدفة، بل يمثل الضوء الأخضر والقاعدة القانونية الدولية التي افتقدتها اللجنة في سنواتها الأولى، إذ يمنح هذا التصنيف اللجنة غطاءً دولياً غير مسبوق لملاحقة الأصول والأموال المنهوبة في الخارج، ويحول عملية التعقب من شأن داخلي إلى التزام دولي بمكافحة تمويل الإرهاب، مما يضيق الخناق على شبكات التمكين الاقتصادي ويجبر المؤسسات المالية العالمية على التعاون الوثيق مع اللجنة.

 

وعلى الرغم من التساؤلات المشروعة حول قدرة اللجنة على العمل في ظل ظروف الحرب والدمار التي تشهدها البلاد، إلا أن الواقع الجديد سيفرض أدوات عمل مختلفة، فبينما قد تعيق المعارك الميدانية الوصول إلى بعض السجلات الورقية، فإن الطبيعة الرقمية للتحويلات البنكية الحديثة والتعاون الاستخباراتي المالي الدولي يتيحان للجنة العمل بفعالية عبر الحدود.

كما أن عودة اللجنة تحت قيادة محمد الفكي سليمان، بوصفه عضواً في مجلس السيادة الشرعي، تبعث برسالة سياسية مفادها استعادة شرعية مؤسسات ما قبل انقلاب أكتوبر، وهو ما يعزز من التفاف قوى الثورة والقواعد الشعبية حولها كأداة لاستعادة الدولة المختطفة.

في المقابل، لن يكون طريق اللجنة مفروشاً بالورود، إذ من المتوقع أن يستشرس عناصر النظام البائد والمؤتمر الوطني في محاولات إعاقة عملها، مستخدمين في ذلك ترسانتهم الإعلامية ومنصات التضليل الممنهجة لتصوير عمل اللجنة كفعل انتقامي، فضلاً عن محاولاتهم المستميتة للاحتماء بمؤسسات الدولة العسكرية واستغلال حالة السيولة الأمنية لإخفاء الأصول عبر واجهات جديدة. ومع ذلك، فإن التصنيف الإرهابي للحركة الإسلامية يضعف هذه المناورات بشكل جذري، حيث تصبح أي جهة توفر الحماية أو الدعم لهذه العناصر عرضة لعقوبات دولية صارمة، مما يعزل تلك المجموعات سياسياً واقتصادياً.

 

أما بالنسبة للمواطن السوداني الذي أثقلت كاهله الحرب، فإن عودة اللجنة تحمل وعوداً ملموسة تبدأ بتجفيف منابع تمويل النزاع المسلح، حيث إن استرداد الأموال المنهوبة يضرب العصب المالي للأطراف التي تسعى لإطالة أمد الحرب سعياً للعودة إلى السلطة. وفضلاً عن ذلك، فإن هذه الأموال المستردة يمكن أن تشكل رافداً حيوياً للخزينة العامة لتمويل الإغاثة وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب، مما يجعل من عمل اللجنة ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والعدالة الناجزة التي نادت بها ثورة ديسمبر.

 

وفي نهاية المطاف، تظل عودة لجنة التفكيك في هذا التوقيت الحرج بمثابة إعلان عن استمرار معركة استعادة الدولة وتنقيتها من جيوب التمكين التي تسببت في انسداد الأفق السياسي. ورغم التحديات الأمنية الجسيمة، فإن الجمع بين الإرادة الشعبية والغطاء القانوني الدولي يجعل من هذه المرحلة فصلاً جديداً وأكثر حدة في مواجهة بنية الاستبداد، مؤكداً أن تطلعات السودانيين في الحرية والسلام والعدالة لا تزال هي المحرك الحقيقي للمستقبل مهما بلغت شدة العواصف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.