الأرض المحروقة
فوضى ميدانية تفتح الباب لانقسامات داخل المؤسسة العسكرية، وقد تُضعف موقع البرهان القيادي.
بالتالي فهي ليست فقط وسيلة لإرباك المجتمع الدولي، بل أيضًا أداة لتقويض الجنرال، عبر جعله في مرمى الخطر الأمني والسياسي.
أطياف
صباح محمد الحسن
الأرض المحروقة
طيف أول:
كثيرًا ما يكون أنين الوطن ألمك، ووجعه حُمّاك!!
والصراع بين الكتائب الأمنية وقوات أبي عاقلة كيكل ليس جديدًا فالأخيرة صناعة عسكرية أعلن عنها في مؤتمر صحفي الصوارمي خالد سعد، وقال إن قوات كيكل تتبع للاستخبارات العسكرية، أي إنها المليشيا الوحيدة التي صنعتها المؤسسة العسكرية. حتى كيكل، عندما خرج من الدعم السريع، احتمى بقيادة الجيش في بورتسودان، وقال في أول تصريح: “نحن لا نأخذ تعليماتنا إلا من قائد الجيش”، بينما كل المليشيات الأخرى هي صناعة الأمن الجهوي.
فحميدتي عندما جاء به البشير صرّح وقتها أنه يتبع لهيئة العمليات، وتوالت المليشيات، وكان الراعي الرسمي لوجودها هو جهاز الأمن والمخابرات.
وقيادة الميدان العسكري الآن تعاني من حالة صراع مريع، وانفلات في القيادة، وانقسام واضح بين تيارين:
الأول بقيادة كرتي وياسر العطا، ويضم جهاز الأمن والمخابرات والكتائب الإسلامية وعلى رأسها “البراء”.
والثاني يضم قيادة الجيش مع مجموعة كيكل وقيادات إسلامية أخرى.
فالتيار الأول ليس له هدف سوى تحويل الميدان إلى بؤرة صراع وفوضى، وهو الذي عقد صفقة النور قُبّة لمحاربة الحركات المسلحة. لذلك فإن المسيرات التي ضربت قرية كيكل، والأخبار التي تحدثت عن مقتل شقيقه، هي ضربة لإضعاف قيادة الجيش على الأرض، إذ يُعتبر كيكل القوة العسكرية الوحيدة التي تتبع للجيش وتتلقى تعليماتها من القيادة العسكرية. وبما أن قيادات عسكرية أكدت من قبل أن المسيّرات بيد ضباط الجهاز، فإن إرسال الكتائب لهذه المسيّرات إلى قرية كيكل أقرب بالمعطيات والجغرافيا.
ولهذا السبب سارعت المنصات الأمنية على السوشيال ميديا، وخرجت في توقيت واحد بعد ساعة فقط من الحادثة لتتهم الدعم السريع، وهو ما يعني أن جهاز الأمن، بمجرد أن أنهى مهمته، أعطى إشارة لهذه المنصات لتثبت الاتهام وتغلق الباب أمام التحليل والتكهنات بسرعة فائقة
والمصباح هو الذي أظهر العداء لكيكل في أكثر من موقع ومناسبة، وهمز ولمز في خطاباته أنه لا يعترف بشخصيات عسكرية لا تتبع للكلية الحربية. وهو ذاته الذي تحدث عن ضرورة محاسبة كل من ارتكب جرائم في ولاية الجزيرة مهما كانت رتبته، في إشارة واضحة لكيكل. وهو الذي عندما قابله رفض أن يسلم عليه، وهو أيضًا الذي انسحبت قواته من الجزيرة قبل ساعات من دخول قوات كيكل لترتكب أفظع الجرائم وحدها، ويتحمل كيكل المسؤولية.
وتريد الكتائب إضعاف الجيش لأنها خسرت مستقبلها منذ أن تم تصنيفها ككتائب إرهابية. وذكرنا بعد التصنيف مباشرة أن القيادة الإسلامية لن تغرق وحدها، بل ستجرّ البرهان معها إلى الهاوية.
إذن ما يجري هو محاولة لصناعة “أرض محروقة” تُفقد أي طرف القدرة على السيطرة الكاملة، وهذه هي سياسة إدارة الفوضى بدلًا من إدارة الدولة.
لذلك فإن المجيء بالنور قُبّة والعمل على إثارة الفتنة والوقيعة بينه وبين المشتركة، وضرب سيارات جبريل بالمسيّرات في أم درمان، وضرب قرية كيكل، كله غرضه صناعة ميدان لا حدود لفوضاه، مما ينتج عنه جرائم أفظع من جرائمهم، ليربكوا نظرة المجتمع الدولي ويجبرونه على إعادة النظر في المشهد من جديد.
فعندما تتحول الأرض إلى ساحة مفتوحة للقتل والنهب والاعتداء، يصبح من الصعب التمييز بين الفاعلين، ويضيع الخط الفاصل بين “المجرم” و”المؤسسة”.
مما يعني توريط الجيش في ميدان دموي يجعل صورته أمام الداخل والخارج ملتبسة، وكأنه شريك في الجريمة لا مجرد طرف في الصراع.
فإذا بدا الجيش متساويًا في المسؤولية مع الفلول، فإن ذلك يضعف شرعيته تمامًا، ويُفقده الدعم الشعبي والدولي، ويجعل أي تسوية سياسية لاحقة أكثر تعقيدًا.
والفلول تعرف أن تصنيفها كإرهابية يضعها في زاوية ضيقة، لذلك تسعى إلى جر الجيش إلى نفس المربع، حتى يصبح الحديث عن المحاسبة شاملًا للجميع، ويضيع التمييز بين الضحية والجلاد.
كما أن المسيّرات والضربات العشوائية واستهداف السيارات أو القرى المتحالفة مع الجيش تريد الفلول أن تقول إن لا أحد في مأمن.
فهذا يشمل البرهان نفسه؛ فالفوضى التي تُدار على الأرض ليست مجرد تهديد للمجتمع أو للمدنيين، بل هي أيضًا مصيدة سياسية وأمنية للقيادة العسكرية.
لذلك كلما توسعت دائرة الفوضى، تقل قدرة الجيش على ضبط المشهد، وبالتالي يصبح البرهان في موقع المسؤولية عن جرائم لا يسيطر عليها، مما يضعه في خانة الاتهام.
فإذا بدا الجيش متورطًا أو عاجزًا عن حماية المدنيين، فإن المجتمع الدولي قد يعتبر البرهان جزءًا من المشكلة لا جزءًا من الحل، وهو ما تريده الفلول: المساواة بين الأطراف المشاركة في الحرب، “لسنا وحدنا المجرمون”.
فهذه الفوضى الميدانية تفتح الباب لانقسامات داخل المؤسسة العسكرية نفسها، وقد تُضعف موقع البرهان القيادي.
بالتالي تصبح ليست فقط وسيلة لإرباك المجتمع، بل هي أيضًا أداة لتقويض البرهان شخصيًا، عبر جعله في مرمى الخطر الأمني والسياسي معًا.
طيف أخير
#لا_للحرب
ما قاله البرهان عن تعاون الأطباء يعني أن هناك أطباء كانوا يرفعون “إحداثيات”، مما يعني أنهم متورطون في جرائم الحرب وقتل المواطنين. فعندما يخبر الطبيب عن وجود “دعامة” وتأتي المسيّرة لضربهم، كم من الأرواح البريئة قد تكون زهقت
فهل القضية في تصريح الجنرال وكشفه لأسرار الحرب، أم في رفع الغطاء عن أخطر دور لعبته “ملائكة وشياطين”
الجريدة