تصنيف جماعة الإخوان في السودان.. إختبار سياسي صعب أمام البرهان
تصنيف جماعة الإخوان في السودان.. إختبار سياسي صعب أمام البرهان
✍️محمد الهادي
برز السؤال مجدداً: ماذا لو طُلب من البرهان اتخاذ إجراءات ملموسة ضد بعض قادة الإسلاميين؟.
فقد جاء قرار وزارة الخارجية الأمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين في السودان ضمن قوائم الإرهاب ليضع قيادة الجيش السوداني، وعلى رأسها الفريق أول عبد الفتاح البرهان، أمام معضلة سياسية معقدة، فالبرهان ظل منذ اندلاع الحرب ينفي بشكل متكرر وجود أي علاقة مؤسسية بين الجيش والحركة الإسلامية، مؤكداً أن القوات المسلحة مؤسسة قومية لا تخضع لأي تنظيم سياسي، ولكن الوقائع الميدانية والتصريحات العلنية لبعض قادة التيار الإسلامي والكتائب القتالية المشاركة في المعارك إلى جانب الجيش أعادت طرح السؤال حول طبيعة هذه العلاقة.
وجاء القرار في بيان صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية اعتبر أن نشاط الجماعة في السودان يرتبط ببيئة سياسية وأمنية أوسع تثير مخاوف تتعلق بالتطرف وتمويل الشبكات المرتبطة به.
الحرب في السودان إلى جانب كونها صراعاً عسكرياً داخلياً، فقد تداخلت فيها أيضاً حسابات إقليمية ودولية، فخلال الأشهر الأخيرة صدرت تصريحات علنية من بعض المنتمين للتيار الإسلامي والكتائب المتحالفة مع الجيش عبّروا فيها عن تضامنهم مع إيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة، في خطاب يربط الصراع في السودان بسياقات إقليمية أوسع، ورغم أن هذه التصريحات لا تمثل موقفاً رسمياً للجيش السوداني، فإنها تُستخدم في الخطاب الدولي بوصفها مؤشراً على البيئة السياسية التي تتحرك داخلها بعض القوى المشاركة في الحرب.
تاريخياً، تعود العلاقة بين المؤسسة العسكرية السودانية والحركة الإسلامية إلى انقلاب 30 يونيو 1989 الذي قاده الجيش بدعم مباشر من الجبهة الإسلامية القومية بقيادة حسن الترابي، وهو الانقلاب الذي أوصل عمر البشير إلى السلطة لما يقارب ثلاثة عقود، وبرغم سقوط نظام البشير في 11 أبريل 2019 بعد احتجاجات شعبية واسعة، فإن كثيراً من الشبكات السياسية والأمنية التي تشكلت خلال تلك الفترة ظلت حاضرة بدرجات متفاوتة داخل مؤسسات الدولة، كما أن عدداً من القيادات العسكرية الحالية، ومن بينهم البرهان نفسه، تشكلت مسيرتهم المهنية داخل المؤسسة العسكرية خلال سنوات حكم البشير.
حضور التيار الإسلامي في المشهد ظل مستمراً عقب سقوط نظامهم، وبرز بوضوح في مجريات الحرب الحالية من خلال دعوات التعبئة والمشاركة الميدانية في القتال إلى جانب الجيش، فمنذ الأشهر الأولى للحرب ظهرت دعوات تعبئة واسعة تحت مسمى “المقاومة الشعبية” و”الاستنفار” والتي أعلنتها قيادة الجيش في منتصف عام 2023، وهي دعوات فتحت الباب أمام مشاركة مجموعات مدنية ومسلحة مختلفة في القتال إلى جانب الجيش، ولم يقتصر حضور التيار الإسلامي على المستوى السياسي أو الإعلامي، فقد ظهر أيضاً في شكل مشاركات ميدانية مباشرة وخطاب تعبوي واضح، ففي يونيو 2023 أعلنت جهات مرتبطة بالحركة الإسلامية ما وصفته بفتح “باب الجهاد” في ما سمّته “معركة الكرامة”، داعية أنصارها إلى الالتحاق بصفوف القتال، وجاء في إحدى الدعوات المتداولة آنذاك: “هذه حربنا منذ اللحظة الأولى، فلا مكان بيننا للمتخاذلين”.
كما برزت على الأرض تشكيلات مرتبطة بالتيار الإسلامي، من بينها كتيبة “البراء بن مالك” التي ظهرت منذ الأيام الأولى للحرب كواحدة من أبرز المجموعات التي تقاتل إلى جانب الجيش السوداني، وتشير تقارير إلى أن عدد مقاتلي هذه الكتيبة توسع بشكل ملحوظ خلال الحرب، في نموذج أعاد إلى الأذهان تجربة قوات الدفاع الشعبي التي استخدمها نظام البشير في تعبئة المقاتلين خلال تسعينيات القرن الماضي.
وخلال معارك الخرطوم في عام 2023 قُتل عدد من العناصر المرتبطة بالحركة الإسلامية أثناء القتال، من بينهم عمر قاسم سراج، أحد قادة كتيبة البراء، الذي قُتل في 3 يونيو 2023 في منطقة الشجرة جنوبي الخرطوم، وكذلك الدكتور أيمن عمر فرج الذي قُتل في 8 يونيو 2023 قرب مصنع اليرموك، إضافة إلى محمد الفضل عبدالواحد عثمان الذي قُتل في 16 يونيو 2023 في المعارك ذاتها.
كما ظهرت تسجيلات صوتية ومرئية لقيادات مرتبطة بهذه الكتائب تدعو السودانيين داخل البلاد وخارجها إلى الانضمام إلى القتال، مع الحديث عن تسهيلات تشمل السفر والإقامة والتدريب العسكري للراغبين في الالتحاق بالمعركة.
وفي الجانب السياسي، أقر بعض قيادات التيار الإسلامي بتوقعهم دوراً سياسياً بعد انتهاء الحرب، فقد قال أحمد هارون، رئيس حزب المؤتمر الوطني المحلول، في مقابلة إعلامية إن بقاء الجيش في السلطة بعد الحرب قد يفتح الباب أمام عودة الحركة الإسلامية إلى الحكم عبر الانتخابات.
وفي ضوء هذه المعطيات، يواجه البرهان معادلة سياسية معقدة، فمن جهة، يعتمد الجيش ميدانياً على قوى اجتماعية وتنظيمية لعبت الحركة الإسلامية دوراً مهماً في بنائها خلال العقود الماضية، ومن جهة أخرى، يحتاج إلى الحفاظ على قدر من الشرعية الدولية، خاصة في علاقاته مع الولايات المتحدة والدول الغربية، وهذا التوازن الصعب يضع البرهان أمام مجموعة من المسارات السياسية الممكنة، لكل منها كلفته الداخلية والخارجية.
* تشديد خطاب الإنكار: قد يواصل البرهان النهج الذي اتبعه منذ بداية الحرب، عبر التأكيد المتكرر على استقلال الجيش عن أي تنظيم سياسي، وفي هذا السيناريو قد تحاول القيادة العسكرية تقليل الظهور الإعلامي لبعض رموز التيار الإسلامي المرتبطين بالحرب، في محاولة لطمأنة المجتمع الدولي.
* التضحية ببعض الحلفاء: قد تلجأ القيادة العسكرية إلى خطوات رمزية لإظهار استقلالها عن الحركة الإسلامية، مثل تقليص دور بعض الكتائب ذات الخلفية الأيديولوجية أو إبعاد شخصيات مثيرة للجدل، مثل هذه الخطوات قد تُستخدم كرسالة سياسية للخارج دون أن تعني بالضرورة تغييراً جوهرياً في طبيعة التحالفات الميدانية.
* الالتفاف بخطاب سيادي: في المقابل، قد تختار قيادة الجيش التعامل مع القرار الأمريكي عبر خطاب سيادي يصفه بالتدخل في الشأن السوداني، وفي هذه الحالة قد يُستخدم القرار لتعزيز التعبئة الداخلية، خاصة في أوساط التيارات الإسلامية والقومية، وهو ما قد يؤدي عملياً إلى تقارب أكبر بين الجيش وهذه القوى.
* إعادة تشكيل صورة الجانب العسكري: قد تسعى قيادة الجيش أيضاً إلى إعادة ترتيب خطابها السياسي بحيث تُقدّم الحرب بوصفها صراعاً بين الدولة وميليشيا متمردة، مع تقليل حضور الخطاب الأيديولوجي في المشهد العام، والهدف هنا سيكون إعادة بناء صورة المعسكر المؤيد للجيش أمام المجتمع الدولي.
* تجاهل القرار والتركيز على الحرب: يبقى السيناريو الأكثر ترجيحًا في المدى القصير هو التعامل مع القرار بقدر من التجاهل والتركيز على المعركة العسكرية باعتبارها الأولوية القصوى، فالصراع الذي بدأ في أبريل 2023 تحول خلال أقل من عامين إلى حرب واسعة امتدت من الخرطوم إلى دارفور والجزيرة وسنار، في نزاع يستهلك معظم قدرات الدولة.
لكن، مهما بدت هذه السيناريوهات ممكنة، فإن السؤال الأكثر حساسية يظل مرتبطاً بما قد يترتب على هذا القرار في المرحلة المقبلة.
فتصنيف جماعة الإخوان في السودان كجماعة إرهابية يضع قيادة الجيش أمام اختبار سياسي حقيقي، فبين خطاب النفي الذي يتبناه البرهان، والواقع الميداني الذي تظهر فيه مشاركة قوى ذات خلفية إسلامية في القتال، تبدو المسافة بين الخطاب والواقع محل تدقيق متزايد من قبل المجتمع الدولي،
لكن التحدي الحقيقي قد لا يقف عند حدود التصنيف السياسي، فالسؤال الأكثر حساسية يتعلق بما قد يأتي بعده: ماذا لو تحولت هذه الخطوة إلى مطالب عملية من واشنطن وحلفائها؟ ماذا لو طُلب من الجيش اتخاذ إجراءات ملموسة، مثل إلقاء القبض على قيادات من الحركة الإسلامية مطلوبة دولياً، أو التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في تسليم مطلوبين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة حكم النظام السابق؟
عندها سيكون الأمر اختباراً حقيقياً للتحالفات التي تشكلت خلال سنوات، فهل يستطيع البرهان الذهاب بعيداً في الاستجابة لمثل هذه الضغوط دون أن يخسر القوى التي تقاتل إلى جانبه اليوم؟ أم أن ضرورات المعركة ستدفعه إلى حماية هذه التحالفات حتى لو أدى ذلك إلى تعميق العزلة الدولية؟.. ربما لا تزال الإجابة مؤجلة، لكن المؤكد أن الحرب في السودان قد أصبحت ساحة اختبار معقدة بين ضرورات البقاء في السلطة، وحسابات الحرب، وضغوط النظام الدولي، وفي قلب هذه المعادلة يقف البرهان أمام سؤال قد يحدد شكل المرحلة المقبلة في السودان: أين تنتهي حدود التحالف مع الإسلاميين، وأين تبدأ كلفة هذا التحالف؟.
10 مارس 2026