الرصاصة الأخيرة في نعش الكيزان
الرصاصة الأخيرة في نعش الكيزان
✍🏼أحمد عثمان محمد المبارك
في زلزال سياسي لم تكن ارتداداته لتتوقف عند حدود الخرطوم، جاء قرار إدارة ترامب في مطلع عام 2026 بإدراج الحركة الإسلامية السودانية وواجهتها السياسية، المؤتمر الوطني، على قوائم الإرهاب الدولية، ليعيد رسم خارطة الصراع في السودان من الصفر. هذا القرار لم يكن مجرد إجراء دبلوماسي روتيني، بل مثل رصاصة رحمة على طموحات التنظيم في العودة للسلطة عبر واجهات مدنية أو عسكرية، ووضع الكيزان في مواجهة مباشرة مع القوة العظمى الأولى في العالم، وهو ما يدفع للتساؤل عن حدود التهور المتوقع من تنظيم يرى في هذا التصنيف إعلاناً لنهايته التاريخية، فمن المتوقع أن يرتد التنظيم إلى مربعه الأول في التسعينيات، حيث كانت شعارات مثل أمريكا دنا عذابها هي الوقود الذي يحرك قواعده. وقد يترجم هذا الهياج الأيديولوجي عملياً إلى انتحار سياسي عسكري، حيث ستجد القيادات المتطرفة في كتائب الظل وفصائل البنيان المرصوص وكتيبة البراء بن مالك مبرراً لتحويل الحرب من صراع على السلطة إلى ملحمة جهادية ضد ما يسمونه العدوان الصليبي. هذا التحول نحو الراديكالية المعلنة سيجعل من الحركة الإسلامية تنظيماً شبيهاً بجماعات الشباب الصومالية أو القاعدة، يقتات على التفجيرات والاغتيالات والعمل السري بعد أن يجفف هذا التصنيف منابع تمويله العابرة للحدود وتحويله إلى جذام سياسي يخشى الجميع ملامسته، مدفوعاً بعقيدة عليّ وعلى أعدائي التي قد تحرق ما تبقى من الوطن.
على صعيد موازين القوى العسكرية، يضع هذا القرار قيادة القوات المسلحة السودانية أمام اختبار عسير ومفصلي؛ فالجيش الذي اعتمد على هؤلاء المقاتلين كحلفاء ضرورة في مواجهة قوات الدعم السريع، يجد نفسه اليوم مضطراً لفك الارتباط بهم فوراً لتجنب الوقوع تحت طائلة العقوبات الدولية بتهمة إيواء الإرهاب. هذا الضغط الأمريكي الخشن قد يؤدي إلى تصدعات عميقة داخل المؤسسة العسكرية، حيث ستبرز تكتلات مهنية ترغب في الحفاظ على شرعية الجيش الدولية عبر التخلص من الحلفاء السامين، مقابل تكتلات أخرى تغلغل فيها التنظيم وقد تختار الغرق معه في مركب واحد، مما ينذر بسيناريو صوملة الصراع وتحوله إلى حرب استنزاف عصية على الحل.
في المقابل، ستتلقى قوات الدعم السريع هذا القرار كهدية سياسية ثمينة، إذ يمنحها صك براءة غير مباشر وسردية دولية تدعم قتالها تحت لافتة مكافحة الإرهاب. هذا التحول قد يغري القوى الدولية للتقارب مع الدعم السريع كأداة وحيدة لتطهير الأرض من التنظيم المصنف إرهابياً، مما يقلب موازين القوى الميدانية رأساً على عقب ويحرم الجيش من تعاطف المجتمع الدولي الذي كان يرى في الطرفين شركاء في الحرب، ويحول الدفة لصالح سردية محاربة الفلول.
اما إقليمياً، سيحدث هذا القرار ارتباكاً في حسابات العواصم التي طالما نظرت إلى الإسلام السياسي في السودان كمهدد استراتيجي. فالدول التي دعمت الجيش السوداني ستجد نفسها الآن في مأزق أخلاقي وقانوني، مما سيجبرها على ممارسة ضغوط جراحية على قيادة الجيش لاستئصال نفوذ الحركة الإسلامية من مفاصل الدولة والقرار العسكري كشرط لاستمرار أي علاقة استراتيجية. وبدون هذا التمايز، سيجد الجيش نفسه معزولاً إقليمياً ومحصوراً في زاوية دعم الإرهاب، بينما تكتسب القوى المدنية السودانية شرعية ملاحقة الأموال المنهوبة وتفكيك الدولة الموازية التي بناها الكيزان على مدار ثلاث عقود.
أما الشعب السوداني، فإن هذا القرار يمثل بارقة أمل حقيقية لاستئصال سرطان التمكين؛ فالتصنيف الإرهابي يغلق الباب نهائياً أمام أي تسويات سياسية تعيد إنتاج رموز النظام السابق، ويضع حداً لسيطرتهم على مفاصل الاقتصاد عبر شركاتهم الأمنية والواجهات المالية. إنها لحظة الحقيقة التي يواجه فيها التنظيم كونه منبوذاً كونياً، مما قد يمهد الطريق لنشوء كتلة مدنية جديدة تبني شرعيتها على أنقاض هذا التفتت الأيديولوجي، بعيداً عن صخب الشعارات الجهادية التي أوردت البلاد موارد الهلاك، معلنةً بذلك بداية النهاية لمشروع التمكين الذي أهلك الحرث والنسل.