وعي الدولة مقابل وعي القبيلة.. قراءة في الحالة السودانية وأفق الخروج

 

 وعي الدولة مقابل وعي القبيلة.. قراءة في الحالة السودانية وأفق الخروج

زهير مطر

تمهيد
يعيش السودان منذ الاستقلال حالة توتّر مزمن بين مفهوم الدولة بوصفها إطارًا جامعًا للمواطنة والحقوق والقانون، ومفهوم القبيلة/الجهة بوصفه الإطار الأقدم والأعمق تجذرًا في وعي الناس وانتماءاتهم. هذا التوتّر لم يكن مجرد اختلاف نظري في تعريف الهوية، بل تحوّل إلى عامل حاسم في تعطيل بناء دولة مدنية حديثة قادرة على إدارة شؤونها بكفاءة وعدالة.

يتناول هذا المقال مسألة تأخّر وعي المواطنين بمفهوم الدولة مقابل رسوخ وعي القبيلة في المجتمع السوداني، ويحلّل أسباب فشل السودانيين – نخبة وجماهير – في بناء دولة مدنية قوية، ثم يناقش الطريق إلى الأمام والحلول الممكنة.

أولًا: ما هو وعي الدولة؟ وما هو وعي القبيلة؟
1.
وعي الدولة
وعي الدولة يعني أن يرى الفرد نفسه أولًا مواطنًا في كيان سياسي اسمه السودان، له حقوق وعليه واجبات تحددها القوانين، وأن تكون مؤسسات الدولة – لا الأفراد ولا الجماعات – هي المرجع الأعلى في الأمن، والعدالة، وتوزيع الموارد، وحسم النزاعات.

في وعي الدولة، معيار الانتماء هو المواطنة، لا العرق ولا اللون ولا الجهة ولا القبيلة.
في وعي الدولة، تُبنى الشرعية على القانون والدستور والاختيار الحر، لا على العصبية أو “الولاء لأهلنا”.
في وعي الدولة، تُحسم الخلافات عبر المؤسسات (برلمان، قضاء، أجهزة رقابية)، لا عبر السلاح أو الثأر أو ضغوط المجموعات.
2.
وعي القبيلة/الجهة
أمّا وعي القبيلة فيستند إلى انتماء ضيق: قبيلة، جهة، إثنية، لون، أو حتّى حيّ ومدينة. هذا الوعي قد يكون طبيعيًا ومفهومًا في مجتمعات ما قبل الدولة الحديثة، حيث لم تكن هناك مؤسسات، بل كان الأمان والرزق والعون متحققًا عبر العشيرة أو القبيلة.

في السياق السوداني:

القبيلة ليست فقط مجموعة أنساب؛ بل منظومة حماية اجتماعية وشبكة مصالح ومرجعية سياسية أحيانًا.
كثير من الناس يلجؤون إلى القبيلة لأنهم لا يثقون في الدولة أو لا يجدونها حاضرة في حياتهم اليومية: لا أمن، لا عدالة، لا خدمات.
مع الزمن، تحوّل وعي القبيلة من مجرد انتماء اجتماعي مشروع، إلى بديـل منافس لمفهوم الدولة، بل وغالبًا منتصر عليه في وعي الناس وسلوكهم.
ثانيًا: لماذا تأخّر وعي الدولة في السودان؟
1.
أزمة قيادة لا تؤمن بالدولة كمشروع وطني جامع
أحد جذور المشكلة هو أزمة القيادة:

تعاقبت على السودان قيادات عسكرية وحزبية وطائفية، كثير منها لم ينظر إلى الدولة كـ”مؤسسة خدمة عامة”، بل كـ”غنيمة” تتقاسمها الشبكات القبلية والحزبية والولاءات الشخصية.
كثير من الزعماء، بدلًا من تفكيك الولاءات القبلية لمصلحة ولاء وطني، استثمروا في القبيلة كأداة للحشد والسيطرة، فتمت مكافأة “زعيم القبيلة” لا “المواطن الكفء”.
غياب نموذج القيادة التي تضحي لمصلحة المشروع الوطني الجامع جعل الناس يرون بأعينهم: من يلتزم بالقانون يخسر، ومن يرتكز على قبيلته وولاءاته الخاصة يكسب.
بهذا المعنى، لم تُنتج النخب الحاكمة مشروعًا وطنيًا حقيقيًا يعلو على الانتماءات الأولية؛ بل كرّستها وأعادت توظيفها.

  1. الأمن والأمان: الدولة الغائبة والقبيلة الحاضرة
    ينشأ “وعي الدولة” عندما يشعر المواطن أن أمنه الشخصي والجماعي مضمون عبر مؤسسات الدولة:

عندما يتعرّض لاعتداء، يجد شرطة وجهاز عدالة يُنصفه.
عندما تندلع اضطرابات، تقف الدولة على مسافة واحدة من الجميع لتحمي الأرواح والممتلكات.
في السودان، غالبًا ما كان العكس:

في مناطق واسعة، خصوصًا في الأطراف، حضور الدولة الأمني ضعيف أو منحاز.
يجد المواطن أن من يحميه فعليًا هم أبناء قبيلته أو ميليشيا مرتبطة بجهته، لا الشرطة ولا الجيش الوطني بمفهومه المهني.
هذه التجربة اليومية رسّخت قناعة أن “الأمان الحقيقي مع أهلنا”، وأن الدولة إما غائبة أو خصم.
هكذا يتأخّر وعي الدولة لأن التجربة المعيشة تنفيه.

  1. توفير العيش الكريم: حين تعجز الدولة فتتقدّم القبيلة
    الدولة المدنية الحديثة يُفترض أن توفّر الحد الأدنى من العيش الكريم: عمل، فرص متساوية، خدمات أساسية (تعليم، صحة، بنية تحتية).

لكن في السياق السوداني:

تمركزت التنمية في العاصمة وبعض المراكز، بينما عانت الأقاليم من تهميش مزمن.
انتشرت البطالة وسوء الخدمات وانهيار البنية التحتية.
في ظل هذا العجز، لعبت القبيلة والجهة والعلاقات الشخصية دورًا بديلاً: فرصة عمل لأنك “من أولاد المنطقة”، تعيين لأنك “قريب المسؤول”، مساعدة في الشدة لأنك “ابن القبيلة”.
عندما تصبح الوساطة والمحسوبية أداة العيش، يتعمق الشعور أن الدولة لا قيمة لها، وأن شبكات الانتماء الضيقة هي الضمان الحقيقي.

ثالثًا: الفساد، المحسوبية، وعدم المحاسبة… كيف تقتل وعي الدولة؟
1.
عدم المحاسبة والتستّر على الفساد
لا يمكن أن ينشأ وعي حقيقي بالدولة إذا رأى المواطن أن:

من يسرق المال العام لا يعاقَب.
من يخرق القانون يجد من يتستر عليه بحجة قرابته أو انتمائه لمنظومة نافذة.
مؤسسات الرقابة نفسها مسيّسة أو مخترقة.
تراكم هذه المشاهد في الذاكرة الجمعية ينتج قناعة خطيرة:

القانون سيفٌ على الضعيف فقط، أمّا القويّ فله “قبيلته” و”حزبه” و”رجاله”.

وعندما ينهار الإيمان بعدالة الدولة، ينسحب المواطن تلقائيًا إلى هوية أصغر توفر له شعورًا بالعدالة ولو كان عدلًا انتقاميًا أو عدلًا داخليًا محدودًا في إطار القبيلة.

  1. المحسوبية والإفلات من العقاب
    المحسوبية ليست فقط تجاوزًا إداريًا؛ إنها رسالة يومية تقول:

الكفاءة ليست مهمة؛ المهم أن تكون “واحدًا منّا”.
الولاء المصلحي أهم من الولاء للمصلحة العامة.
المنصب تكريم شخصي لا تكليف لخدمة الناس.
أما الإفلات من العقاب، خصوصًا في الجرائم الكبرى (جرائم حرب، فساد ضخم، انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان)، فيبعث برسالة أشد قسوة:

دمك وحقك لا قيمة لهما إذا لم تكن مدعومًا من جهة أو قبيلة أو جهاز.

كل هذا يُضعف الانتماء للدولة ويقوّي الانتماء لمجموعات الحماية الأصغر.

رابعًا: تنامي خطاب الكراهية ودور النخبة المتعلمة
1.
خطاب الكراهية: من الهامش إلى المتن
تنامى في الفضاء السوداني – سياسيًا وإعلاميًا ووسائط تواصل – خطاب كراهية يقوم على:

تعميم الأحكام على الجماعات: “هؤلاء كلهم كذا”، “تلك القبيلة هكذا”.
استدعاء صور نمطية مهينة: عنصرية، جهوية، استعلاء ثقافي.
تحريض مباشر أو غير مباشر على الإقصاء، وأحيانًا على العنف.
المؤلم أن هذا الخطاب لم يبق محصورًا في الجهلة أو الهامش، بل:

تسلّل إلى النقاشات السياسية.
وظهر في كتابات ومنشورات أشخاص متعلمين، بل من النخبة أحيانًا.
2.
الطبقة المتعلمة كراعية لخطاب الكراهية
المفارقة المؤلمة أن الطبقة المتعلمة – التي يُفترض أن تقود المجتمع نحو وعي الدولة – صارت في كثير من اللحظات:

الراعي الأول لخطاب الكراهية، عبر منصات التواصل وكتابات الرأي وخطابات التجمعات.
تستدعي أحداثًا تاريخية قديمة (قبل قرن أو أكثر) وتعيد تأويلها خارج سياقها، وتستخدمها وقودًا لتعبئة أحقاد معاصرة.
تُحوّل الألم التاريخي من مرتكز لنقاش عقلاني حول العدالة الانتقالية والمصالحة، إلى دافع لخطاب انتقام وثأر جماعي.
بهذا السلوك، أسهمت النخبة المتعلمة في:

تكريس وعي القبيلة والعرق واللون كعناوين للصراع.
إضعاف أي فرصة لبناء سردية وطنية مشتركة تعترف بالمظالم وتبحث عن حلول مؤسسية عادلة.
خامسًا: فشل النخبة المتعلمة في تأسيس دولة حديثة
1.
بين عجز الرؤية ومحدودية المصلحة
السؤال الجوهري: لماذا فشلت النخبة المتعلمة في إنشاء دولة وخلق وعي الدولة بدل وعي القبيلة/الجهة/العرق/اللون؟

يمكن تفكيك الإجابة في عدة احتمالات متداخلة:

نخبة لم ترَ خطأ جوهريًا في تركيب الدولة
كثير من أبناء النخبة المتمركزة في المركز استفادوا من الوضع القائم:

احتكار فرص التعليم والعمل والسلطة.
استفادة غير مباشرة من التهميش الواقع على الأطراف، حتى لو لم يشاركوا في صنعه.
لذا لم يشعروا بحاجة ملحّة إلى تغيير قواعد اللعبة جذريًا.
نخبة لم تتأثر سلبًا كما تأثر الهامش
من عاش عمره في العاصمة أو المدن الكبرى، ينال قسطًا معقولًا من الخدمات والفرص، ربما لم يختبر حقيقة العنف البنيوي الواقع على مناطق بأكملها، لذلك:

رأى المشكلة في “إدارة سيئة” لا في بنية دولة مختلّة.
تعامل مع مطالب العدالة والمساواة كـ”مبالغات” أو “خطاب سياسي” لا كأزمة بنيوية.
نخبة لم تُجهد نفسها أصلًا في بناء دولة مؤسسات
جزء معتبر من النخبة فضّل:

الصعود السريع عبر الانتماء الحزبي أو الجهوي بدل الانخراط في مشروع وطني طويل النفس.
المساومة مع السلطة القائمة مقابل مكاسب محدودة، لا الصراع من أجل عقد اجتماعي جديد.
الاستثمار في الخطاب بدل البناء المؤسسي الفعلي (نقابات قوية، أحزاب ديمقراطية من الداخل، حركات مجتمع مدني واسعة).
2.
انفصام بين الخطاب والممارسة
حتى عندما رفعت النخبة شعارات الدولة المدنية والمواطنة، بقيت الممارسة اليومية:

تقوم على المحاصصة الجهوية والقبلية داخل الأحزاب نفسها.
أو على إقصاء المختلفين فكريًا حتى لو كانوا شركاء في حلم الدولة المدنية.
أحزاب “حديثة” في خطابها، لكنها “تقليدية” في بنيتها الداخلية وعلاقاتها الزبونية.
هذا الانفصام جعل الجماهير تفقد الثقة:
إذا كانت النخبة ذاتها لا تطبق قيم الدولة داخل تنظيماتها الصغيرة، فكيف ستبني دولة كبرى عادلة؟

سادسًا: لماذا فشل السودانيون في بناء دولة مدنية قوية؟
يمكن تلخيص الأسباب في ثلاثة مستويات متداخلة:

  1. مستوى البنية التاريخية والسياسية
    إرث استعماري رسم حدودًا وجمع مكوّنات عديدة دون بناء عقد اجتماعي متين.
    تعاقب الانقلابات العسكرية التي قوّضت أي محاولة لبناء مؤسسات مدنية مستقرة.
    حروب أهلية طويلة غذّت خطاب الجهوية والعرق وانتجت اقتصاد حرب وشبكات مصالح تستفيد من استمرار الفوضى.
    2.
    مستوى الثقافة السياسية والاجتماعية
    رسوخ عقلية الطاعة الأبوية (الزعيم، الشيخ، الأمير، الجنرال) على حساب ثقافة المواطنة والمساءلة.
    غياب تربية مدنية ممنهجة في المناهج والإعلام، ترسّخ قيم:
    حكم القانون
    قبول التعدد
    نبذ العنف كأداة سياسية
    حضور قوي لمنطق “الانتصار على الخصم” بدل “إدارة الاختلاف معه”.
    3.
    مستوى الممارسة اليومية والمؤسسات
    مؤسسات دولة ضعيفة أو مخترقة لصالح مجموعات بعينها.
    اقتصاد هش يعتمد على الريع والمضاربات أكثر من الإنتاج، مما يسهل شراء الولاءات.
    غياب عدالة انتقالية حقيقية تعالج جروح الماضي وتبني ثقة في المستقبل.
    كل هذه العوامل تفاعلت لتجعل مشروع الدولة المدنية مجرد شعار يتكرر في اللحظات الثورية، ثم ينكسر عند أول اختبار حقيقي لمصالح القوى المتحكمة.

سابعًا: الطريق إلى الأمام – ما هي الحلول الممكنة؟
إذا كان هذا هو التشخيص، فما العمل؟ لا توجد وصفة سحرية، لكن يمكن الحديث عن مسارات متوازية يجب العمل عليها في آنٍ واحد:

  1. إعادة تعريف المشروع الوطني على أساس المواطنة
    إطلاق حوار وطني حقيقي – لا شكلي – حول:
    شكل الدولة (لامركزية/فدرالية)،
    توزيع السلطة والثروة،
    ضمان مشاركة عادلة للأقاليم والمكوّنات المختلفة.
    صياغة عقد اجتماعي جديد يُنظّم علاقة الدولة بالمواطنين على قاعدة:
    لا امتياز قانوني لقبيلة أو عرق أو جهة.
    لا امتياز في الموارد على أساس الانتماء، بل على أساس الحاجة والكثافة السكانية وأولويات التنمية.
    2.
    بناء مؤسسات قوية ومحايدة
    إصلاح جذري للأجهزة الأمنية والعسكرية باتجاه مؤسسة وطنية مهنية واحدة خاضعة للسلطة المدنية، لا مجموعات مسلحة متوازية.
    تقوية القضاء وضمان استقلاله الفعلي، وتحصينه من الضغوط السياسية والقبلية.
    إنشاء وتفعيل أجهزة رقابة ومحاسبة شفافة، مع ضمان نشر المعلومات للرأي العام.
    3.
    محاربة الفساد والإفلات من العقاب
    تقنين وتجريم المحسوبية والوساطة في شغل الوظائف العامة، ووضع آليات عملية للشكوى والتظلم.
    فتح ملفات الفساد الكبرى، وإحالتها لقضاء مستقل، ولو طال الزمن… فالعدالة المؤجلة خير من العدالة الملغاة.
    ترسيخ مبدأ:
    >
    من يتولى منصبًا عامًا هو خادم للمصلحة العامة، لا سيدًا على الناس.
    4.
    معالجة خطاب الكراهية عبر قانون وثقافة
    إصدار قوانين واضحة تجرّم خطاب الكراهية والتحريض على العنف، مع ضمان عدم استخدام هذه القوانين لقمع حرية التعبير النقدي.
    دعم منصات إعلامية وتعليمية تحتفي بالتنوع وتُظهر أن الاختلاف مصدر غنى لا لعنة.
    تشجيع مبادرات يقودها شباب ومثقفون لمواجهة خطاب الكراهية في الوسائط الاجتماعية، عبر:
    التفنيد العقلاني للأكاذيب.
    إنتاج محتوى إيجابي عن التعايش.
    إبراز قصص التضامن بين المكوّنات المختلفة.
    5.
    إعادة تأهيل دور النخبة المتعلمة
    على النخبة المتعلمة أن تجيب عن سؤالين بصدق:

هل نحن مستعدون للتنازل عن امتيازاتنا غير العادلة؟
إن لم يحصل هذا التنازل، فلن يُصدّق أحد أي خطاب عن العدالة والمواطنة.

هل نحن مستعدون للعمل الشاق لبناء مؤسسات، لا الاكتفاء بالشعارات؟
المطلوب من النخبة:

بناء أحزاب ديمقراطية داخليًا.
إنشاء مراكز دراسات مستقلة ترفد القرار السياسي بالمعرفة.
دعم نقابات ومؤسسات مجتمع مدني حقيقية غير مرتبطة بقبيلة أو حزب ضيق.
6.
التربية على وعي الدولة منذ الصغر
إصلاح المناهج الدراسية لتضم:
تاريخًا وطنيًا شاملًا يعترف بكل المكوّنات والمناطق.
دروسًا في حقوق الإنسان، والمواطنة، وإدارة التنوع.
تدريب المعلمين على نشر قيم التسامح، وعدم التمييز، واحترام الاختلاف.
إدخال برامج نشاط مدرسي وجامعي تشجع:
العمل الجماعي بين طلاب من خلفيات مختلفة.
الحوار بدل العنف اللفظي والجسدي.
7.
تمكين المجتمعات المحلية دون تحويلها إلى قبائل سياسية
تطبيق لا مركزية حقيقية تمنح الأقاليم صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها، مع نظام رقابة يضمن عدم تحولها إلى إقطاعيات جديدة.
تشجيع أشكال انتماء محلية/مدنية: لجان أحياء، روابط مهنية، جمعيات تعاونية… بحيث يجد الفرد بدائل عن الانغلاق القبلي دون أن يفقد شعوره بالانتماء.
خاتمة
تأخّر وعي السودانيين بمفهوم الدولة مقابل رسوخ وعي القبيلة ليس عيبًا أخلاقيًا في الشعب قدر ما هو نتيجة لمسار تاريخي معقّد: إرث استعماري، قيادة قاصرة، نخبة مترددة أو منتفعة، ومؤسسات ضعيفة، مع فساد ومحسوبية وخطاب كراهية يلتهم ما تبقّى من ثقة.

لكن إدراك حجم المشكلة هو الخطوة الأولى نحو الحل. فالقبيلة والجهة ليست شرًا في ذاتها؛ هي جزء من النسيج الاجتماعي والتاريخي. الخطر يبدأ حين تُرفع القبيلة فوق الدولة، وحين يتحول الانتماء الضيق إلى سلاح ضد الشركاء في الوطن.

الطريق إلى الأمام يبدأ من قرار جماعي – تقوده نخب صادقة وشعوب واعية – بأن:

لا أحد يمكنه أن ينتصر نهائيًا في حرب أهلية داخل وطن واحد.
ولا يمكن لأي مجموعة أن تعيش آمنة ومزدهرة طويلًا وسط محيط من الظلم والفقر والكراهية.
بناء دولة مدنية قوية في السودان ليس ترفًا فكريًا، بل شرط بقاء. والانتقال من وعي القبيلة الضيق إلى وعي الدولة الجامعة ليس إنكارًا للهوية، بل ترقية لها إلى مستوى أوسع وأعدل، حيث يصبح الجميع – حقًا – مواطنين في وطن واحد، لا أفرادًا متنازعين في قبائل متحاربة.

الراكوبة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.