دارفور – (1916- 2026)
دارفور – (1916- 2026)
اسماعيل عبد الله
بعد تحرير الطينة ومستريحة مدخل العام 2026، تخرج دارفور من حقبة الــ 110 عام استعمار – أربعون عاماً تحت الاستعمار البريطاني، سبعون عاماً تحت نير الاستعمار الداخلي، لقد عاشت السلطنة ستة عشر عاما حرة مستقلة بعد سقوط المهدية، كدولة لها عملتها ودبلوماسيتها وعلاقاتها الخارجية، لقد راهن المستعر الداخلي على تصورات وهمية شحن بها عقول السودانيين، من شاكلة أن سكان دارفور لا يتعايشون وأنهم مختلفين بطبيعة الحال، متجاهلاً القرون الممتدة للسلطنة قبل مجيء المهدية، والتي حكمها مجموعة من السلاطين تمتعت في ظل حكمهم العادل جميع المكونات الاجتماعية الكائنة اليوم بالأمن، هذا المجتمع ذو الهوية الواحدة لم يرى الصراعات البينية، إلّا بعد أن حل النميري الإدارة الأهلية، تلك المنظومة الإدارية المجتمعية التراكمية لمئات السنين، ظن أفندية وضباط مدرسة كتشنر العسكرية أنها بلا فائدة، فارتكب قائد ثاني انقلاب بعد (الاستغلال) الخطيئة التي أراقت الدماء بالإقليم الدولة، خروج دارفور وبعدها كردفان ثم بقية أقاليم السودان من النفق المظلم للدولة القديمة، هو التحرير المنشود الذي رفعت راياته جميع حركات التحرر الوطني، البارزة بالساحة السودانية بعد خروج المستعمر الخارجي (البريطاني)، إنّ تكسير بؤر الأجهزة الأمنية للنظام البائد وتنظيف مؤسسات الحكم من جراثيم الحركة الشيطانية، ضرورة قصوى، على القائمين على الأمر فعل ذلك.
الشعوب الحرة لا تستكين، وكما كانت دارفور ومازالت تلعب دور الخيل الأصيلة، التي لا تراها إلا مع انحناءة المضمار الأخيرة، ففي الثورة المهدية انطلق السهم الأكثر فتكاً بقوات الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وها هي اليوم تحرر نفسها وتتأهب لإعادة التاريخ التليد، للثورة الشعبية والوطنية الأولى، التي قصمت ظهر الغزاة، إنّ منظري جماعة الإخوان ندموا أيما ندم على عدم سماع نصح عرابهم، حينما حذرهم من مغبة فتح جبهة غربية، لكنهم سدروا في غي وعته وجنون جهوي وعرقي صارخ، فنالوا جزاءهم باستقلال الغرب الكبير، عن حكمهم الباطش القاهر المؤتمر بأوامر التنظيم العالمي، وأظن أن العراب لو كان حياً لضحك عليهم بسخريته المعهودة، وقال لهم ألم أحذركم!، هذه مالات الحنق الجهوي غير الرشيد والمغلف بسلوفان الهوس والبغضاء، كما هو مسموع ومرئي من منصات ورموز إعلام تلامذة الطيب مصطفى – الخال الرئاسي، فتحرير دارفور من قبضة الإخونج وفلاقنتهم يضع عمقهم الاستراتيجي على فوهة نار بندقية الثوار، وليس كما يصور العمسيبيون هذا الجزء العزيز من الوطن، بأنه سهل البتر عن مشروعهم العنصري والانفصالي، غير مدركين أن السودان بلا غطاء لو راهن على بتر (الاصبع المتسبب بالصداع) كما وصف ذلك الخال الرئاسي، في مقاربته الفطيرة والمتطرفة الموغلة في الحنق على دارفور والجنوب وإنسانه حين شبهه بالسرطان.
كما يقول هتاف الجنود: ما ينوم، فإنّ الدويلة العميلة لن تنام بعد اليوم، والمد الثوري القادم من الغرب قد أتكأ على عصاه، ذات العصا التي أدّبت من عصا من قبل ومن بعد، فتحرير دارفور وغرب كردفان ثم كردفان الكبرى، هو بمثابة تأمين لقيلولة الثوار وحراستهم، للنهوض بعدها والقذف بسهامهم على عش الدبور، ثم زوال حلم يقظة العمسيبيين المؤمنين بمشروع المثلث الحمداوي، الذي انسلخ منه شرق عثمان دقنه، إن تحرير دارفور كاملة غير منقوصة من قبضة الدويلة العميلة، كشف ضعف وهشاشة الفكر الذي استمات عرابوه المركزيون لسبعين عاماً، كي يقنعوا به سواد السودانيين الأعظم دون جدوى، الفكر الذي أسس على رمال متحركة، فبديهياً أن تكون عاقبته الإخفاق، والاضمحلال ثم الذهاب جفاء، وكما قال أحد المتبرئين من جماعة الهوس الديني، أنهم لا يكترثون لدين ولا لدنيا، إنّ همهم الأوحد أن يتعفنوا على الكرسي، حتى ولو انحصر وجود هذا الكرسي في محيط دائرة قطرها جزيرة توتي، لقد جاء تحرير الطينة ومستريحة كصعقة كهربائية عالية الفولتية للفلاقنة، ومن شايعهم وتبعهم من السذج والانتهازيين وعديمي الضمير، فالحر لا يخضع للقهر المزمن، لابد له من يوم للتحرر من الأبارتايد، كما حدث مفتتح هذ العام السعيد، الذي سيؤرخ لوضع علامة فاصلة بين حقبتين، وحجر زاوية العهد الجديد الخالي من المؤامرات المحاكة ضد المواطن الجدير بأن تقدم له الخدمات الأساسية.