قناة الجزيرة: ماكينة تدوير الأكاذيب وتسويقها
قناة الجزيرة: ماكينة تدوير الأكاذيب وتسويقها
الصادق حمدين
لماذا هذا الإصرار المحموم على مطاردة الذباب الإلكتروني بمشبك “الصدق”، وسحقه بشِباك الأخلاق، وكأن الخطر كلّه محصور في هوامش المشهد لا متونه؟
لماذا تُشهر سكاكين الحقيقة في وجه “اللايفاتية” أصحاب “لايف مباشر”، وصغار مروّجي الأخبار، بينما يُعلَن العمى الطوعي أمام مصانع الكذب الكبرى التي تعمل بلا انقطاع، بلا خجل، وبترخيص مؤسسي كامل؟
أي منطق هذا الذي يُحمِّل بغاث الطير وزر التضليل، ويمنح أم النسر حصانة أخلاقية كاملة الدسم، رغم أن ماكينات التضليل الاحترافية وفي مقدمتها قنوات تدّعي المهنية مثل قناة الجزيرة تنتج الكذب بوقاحة منهجية سافرة، وتسوّقه بوصفه رأياً، وتغلفه بلغة حقوق الإنسان، وتدرّبه جيدا ليخرج نظيفا من أي مساءلة؟
إنها ليست معركة صدق ضد كذب، بل انتقائية فجة في توزيع صكوك الأخلاق، حيث يُدان الضعيف لأنه يكذب، ويُصفَّق للقوي لأنه يتقن الكذب الأنيق.
ولماذا جلد العابرين في الأزقة الرقمية، والأحياء الاسفيرية الفقيرة حدّ العوز والإعياء المعرفي، وترك القصور الإعلامية بالغة الفخامة تعربد بلا مساءلة حتى لو كانت مجرد مساءلة أخلاقية؟
حيث تُصاغ الأكاذيب بربطات عنق حريرية وبذلات “دولتشي” باهظة الثمن، وتُقدَّم الأوهام بلغة فصيحة لا يشوبها “لحن” ونبرة كذوبة واثقة، ويقف المذيع شاهد زور أنيق، يكذب بطمأنينة وثقة، ويزوّر الوعي الجمعي بدم بارد، في جريمة يومية مكتملة الأركان لا يُسأل عنها أحد ولو من باب العتاب اللطيف.
إن حشد الذباب الإلكتروني و “جونكية” الإعلام، وصحافيي بنكك، وأنصاف المتعلمين من أصحاب “مظاريف”، الخنوع والذل، مهما اشتدّ أذاهم، لا يدّعون الطهارة، ولا يرفعون شعارات الفضيلة والقيم النبيلة التي يفتقدونها سوء تربيةً وانحرافاً سلوكياً شاذاً.
أما المصيبة الحقيقية، فهي في من يتقدّم الصفوف مدّعياً الحياد، متشحاً بشعار “الرأي والرأي الآخر”، بينما لا يرى من الآراء إلا ما يخدم عقيدته المدثرة برداء كراهية الآخر المختلف عقائدياً، ولا يسمع من الأصوات إلا صداه هو، وكل ما عدا ذلك لا يساوي شيئاً إن لم يخدم المسيرة “القاصدة”، إلى أين؟
لا أحد يدري ربما إلى عالم الثراء وملذات الـ “خربانة أم بناياً قش”.
قناة الجزيرة، التي طالما سوّقت نفسها منبرا للحقيقة وملاذا للحرية، لم تعد في نظر كثيرين سوى غرفة عمليات أيديولوجية، تُدار فيها الأخبار كما تُدار الحملات لتجنيد الأتباع لخدمة “الدين – المشروع”، وتُفصّل فيها الوقائع على مقاس الهدف، لا على مقاس الحقيقة.
فالرأي الآخر حاضر في الشعار، غائب في المضمون، مدفون في الأرشيف إن وُجد أصلاً لأنها لا تحتفظ بما يذكرها حقيقتها واتجاهها العقائدي الواحد.
وفي مشهدٍ عبثيّ يكاد يرقى إلى الكوميديا السوداء، تتحوّل المصادر إلى أشباح، والمراسلون إلى رواة أساطير، والعاجل إلى سباق محموم مع الخيال.
خبر تتم فبركته في النشرة الصباحية، ويُضخّم في عالم الظهيرة، ثم يُستضاف من يدافع عنه في حصاد المساء، فيتم نسيانه ليلاً.
بلا تصحيح، بلا اعتذار، بلا خجل.
وكأن الكذب طفلٌ مدلّل، لا يُحاسَب مهما كسر من الأواني الفاخرة، وخرب لعبته باهظة الثمن.
الإعلام، حين يتخلى عن أخلاقه، لا يعود سلطة رابعة تراقب وتحاسب وتحذر، بل يصبح شريكاً في الجريمة، بل إن شئت قل محرضاً عليها في كثير من الأحيان؛ وعندما يستبدل الحقيقة بالعقيدة، يتحول من ناقل للخبر إلى صانع للخيال والتيه والوهم.
والخطر لا يكمن في الكذبة البلقاء الواحدة في حد ذاتها، بل في تكرارها حتى تُصبح “رواية”، ثم الدفاع عنها لتصبح “حقيقة” عند جمهور تم انهاكه بالتضليل حتى صار يصدق كل شيء، إن قيل له أن للماء طعم ولون ورائحة فتح فاه وأغلق عقله مصدقاً.
أما حرب “تعادل الدم والتعب” في بلادنا المكتئبة غمّاً، فقد كانت الاختبار الفاضح والمحك الحقيقي للمصداقية.
هناك، حيث تختلط الدماء بالتراب، والآمال بالسراب، والرجاء باليأس، وحيث لا تحتمل المأساة ترف التلاعب والقفز بين حبال الكذب والخيال، اختارت قناة الجزيرة أن تكون طرفاً لا شاهداً، ومحرّضاً لا ناقلا محايداً.
روايات تُنتقى بعناية، صورٌ تُقتطع من سياقها في فبركة رقمية يسهل فضحها، عناوينُ تصرخ بما لا تقوله الوقائع على ارض المعركة.
وإذا ما انكشفت الحقيقة لاحقًا؟
فالصمت أبلغ من الاعتذار، والتجاهل أيسر من المراجعة وكأن شيئاً لم يكن، وغداً يوم جديد يحمل رواية أخرى.
“ورأصْنِي يا قَدَعّ”.
يا له من إعلام معجزة “فات الكبار والقدرو”، يصنع الخبر كما يصنع الطاهي الماهر طبقاً فاخراً من نوع “بيتزا لويس”، قليل من الواقع، كثير من التوابل، ولمسة أخيرة من الإخراج البصري.
ثم يُقدَّم للمشاهد على أنه “حقيقة خالصة”، ومن يشكّك يُتّهم في فهمه، ومن يسأل يُخوَّن لجرأته، ومن يطالب بالتصحيح يُرمى خارج الحظيرة لانه بطة سوداء في سرب مختلف شكلاً ولوناً.
المشكلة ليست في الخطأ؛ فالخطأ وارد، حتى عند الشرفاء.
المشكلة في تحويل الخطأ إلى نهج، والتلفيق إلى سياسة، والصمت عن الاعتذار إلى عقيدة.
فالإعلام الذي لا يعتذر، إعلام لا يحترم جمهوره.
والإعلام الذي يرى نفسه فوق المحاسبة، يرى الحقيقة تحته، فيدوس عليها وكأنها لم تكن صفة الأنبياء والمرسلين الصادقين يوما.
لسنا بحاجة إلى من يختار لنا عدوّنا، ولا إلى من يحدّد لنا من يستحق التعاطف ومن يُحرَم منه.
لسنا قُصّرا في وعي يحتاج وصيا، ولا جمهورا تتم ادارته بالعناوين الصاخبة.
نريد إعلاماً يقول: أخطأنا.
يملك شجاعة التراجع، ونزاهة التصحيح، وجرأة الاعتراف فما هي فضيلة الاعتراف بالذنب إذاً؟
إذا أصبح العناد منهجاً والاستمرار في الخطأ والخطيئة سلوكاً راتباً.
أما من يصرّ على إدارة الكذب بعقلٍ بارد وابتسامة باهتة، ويغلفه بشعارات الحرية وتعدد الآراء، فسيكتشف عاجلا أم آجلا أن الحقيقة، وإن تأخرت، لا تُنسى.
وأن الشعارات، عندما تنفصل عن القيم، لا تكون أكثر من لافتات جميلة براقة على أبواب غرف مظلمة ملوثة بهواء الرياء الخانق.