مصر والجزائر … شرعية البنادق أم إرادة الشعوب؟

 مصر والجزائر … شرعية البنادق أم إرادة الشعوب؟

علاء خيراوي

لم يكن انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر ٢٠٢٥، مجرد حركة دبابات في شوارع الخرطوم، بل كان طعنة غادرة في قلب واحدة من أعظم الثورات الشعبية التي عرفها هذا القرن؛ ثورة خرجت من لحم الناس ودمائهم، بلا زعيم مُصنّع ولا راعٍ خارجي، ففرضت على القارة بأسرها معياراً جديداً للشجاعة المدنية. يومها، أدرك الاتحاد الإفريقي، متّبعا لقوانينه، خطورة اللحظة، فحمى تلك الثورة بقراره التاريخي بتعليق عضوية السودان، لا بوصفه عقاباً لشعبه، بل بوصفه درعاً أخلاقياً وسياسياً ضد عسكرة السياسة وانقلاب البندقية على الإرادة الشعبية. كان القرار رسالة واضحة؛ لا شرعية تُمنح لمن يغتصب الدولة، ولا مقعد لمن يقف فوق جثث المواطنين.

غير أن البرهان لم يكتفِ باغتيال المسار المدني، بل فتح أبواب الجحيم على البلاد، فأشعل حرباً أكلت الأخضر واليابس، دمّرت المدن، شتّتت الملايين، وحرّرت كل شياطين العنف من عقالها. وفي الظل، أعاد تمكين نظام الكيزان الذي لفظه الشعب، فعادت شبكات الفساد والتمكين والاقتصاد الطفيلي، لا باسم “الإنقاذ” هذه المرة، بل تحت لافتة “الدولة العميقة” و”الأمن القومي”، فيما كانت المدافع تعوي على تخوم الخرطوم ومدني والفاشر.

ووسط هذا الخراب، يبرز السؤالٌ الثقيلٌ؛ لماذا تواصل مصر والجزائر هذا في تحركها المحموم لإعادة السودان إلى الاتحاد الإفريقي قبل ان تعود الحياة المدنية للسودان؟ ولماذا تصطفان عملياً في مواجهة إرادة شعبٍ ذاق كل هذا الجحيم؟ الحقيقة القاسية أن ما يحكم سلوك الدول، وخاصة في لحظات الانهيار ليس العدالة ولا الوفاء للثورات ولا التعاطف مع الشعوب، بل حسابات باردة للنفوذ والأمن والمصالح والهيبة، حتى لو تعارضت مع الأخلاق أو مع أبسط معايير الإنسانية.

مصر والجزائر لا تنظران إلى ما حدث في السودان بوصفه “ثورة عظيمة” تستحق الحماية، بل بوصفه اضطراباً خطيراً على حدودهما ومجال نفوذهما الإقليمي؛ فالقاهرة تخشى أن تنتصر تجربة مدنية ديمقراطية حقيقية على حدودها الجنوبية لأنها تشكل سابقة مُقلِقة لنموذج حكمها العسكري، وتفضّل التعامل مع جنرال يمكن احتواؤه وضبطه عبر الأجهزة والأمن والاقتصاد على التعامل مع قوى مدنية مستقلة يصعب التحكم فيها. والجزائر، التي تتحرك بعقلية الدولة العسكرية ذات الحساسية العالية لأي انتقالات ديمقراطية مفاجئة، ترى في تثبيت سلطة بورتسودان ضمانة لاستقرارٍ شكلي ولو كان فوق بحر من الدماء، بدل المغامرة بمسار سياسي مفتوح قد يعيد ترتيب ميزان القوى في القرن الإفريقي والبحر الأحمر بطريقة لا تخدم حساباتها. كلا البلدين يقرأ المشهد عبر عدسة “الاستقرار القسري” لا عبر عدسة العدالة الانتقالية، وعبر منطق “الدولة العميقة” لا منطق الشارع الثائر، ولذلك يدفعان نحو إعادة السودان للاتحاد الإفريقي كوسيلة لإضفاء شرعية إقليمية على سلطة خرجت من انقلاب ثم قادت حرباً مدمِّرة، حتى لو كان ثمن ذلك معاداة شعبٍ بأكمله وخيانة روح الثورة التي كان الاتحاد الإفريقي نفسه قد حاول حمايتها.

وإذا ما قرأنا الواقع من خلال نصوص وسوابق الاتحاد الإفريقي لا من ضغوط العاصمتين، فإن مجلس السلم والأمن سيتعامل مع مسعى مصر والجزائر بوصفه محاولةً لتحريك الباب، لا اقتحامه سيستمع ويجادل ويوازن، وربما يكسو مخرجاته بعبارات دبلوماسية لينة عن “تنسيق الأدوار الإقليمية” و”أهمية الواقعية السياسية”، لكنه لن يغامر بخطوة رفع التعليق وإعادة المقعد كما لو أن انقلاب ٢٥ أكتوبر لم يقع، أو كما لو أن حرباً أكلت البلاد يمكن تطبيعها ببيانٍ مصقول. فالمجلس ما زال في صلب أدبياته يعرّف أزمة السودان كحربٍ بلا حل عسكري، ويجعل وقف النار الفوري وغير المشروط شرطاً أولياً، ويشدد على مسار سياسي سوداني شامل برعاية إفريقية ينتهي إلى سلطة مدنية ذات شرعية، لا إلى تكريس أمرٍ واقع عسكري. وهذه ليست زخرفة لغوية، بل عمودٌ فقري لشرعية الاتحاد نفسه؛ فإذا كافأ انقلاباً في لحظة حرب مفتوحة، فهو لا يخرق قراراً إجرائياً فحسب، بل ينسف قاعدة قارية تأسست أصلاً لردع الانقلابات. والتجربة القريبة تؤكد ذلك؛ حين رُفعت عضوية السودان عام ٢٠١٩ كان الأمر مرتبطاً بحكومة انتقالية مدنية واتفاق سياسي واضح، لا بمجرد ضغط دول جوار. لذلك أرى أن أقصى ما يمكن أن تحققه القاهرة والجزائر هو “نجاح تكتيكي” محدود؛ تخفيف لهجة البيانات، أو توسيع قنوات التواصل الإنساني والفني، أو إعادة تفعيل حضور تقني للاتحاد داخل السودان، وربما تسريع بعض المسارات الإجرائية؛ أما رفع التعليق الكامل وإصدار بيان يعترف بسلطة بورتسودان فسيظل ضعيف الاحتمال لأن ثمنه هو اتساق الاتحاد الإفريقي نفسه ومعناه كمنظومة تقف نظرياً على الأقل مع إرادة الشعوب لا مع فوهات البنادق.

وقد اتى البيان الخماسي الاخير الصادر عن الاتحاد الإفريقي والإيغاد وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة ليغلق هذا الباب أكثر مما يفتحه؛ فرغم لغته الدبلوماسية الهادئة، فهو يحمل رسالة سياسية أثقل من عباراته المنمّقة، إذ يعيد توصيف ما يجري في السودان باعتباره حرباً وانهياراً للدولة لا وضعاً طبيعياً قابلاً للتطبيع. البيان يتحدث عن وقف التصعيد، وحماية المدنيين، واحترام القانون الدولي الإنساني، ووقف تدفق السلاح، ولا يتحدث عن شرعية حكومة أو إعادة مقاعد. وهو بذلك يسحب عملياً البساط من تحت أي محاولة لإضفاء شرعية شكلية على سلطة انقلابية، ويضع الأولوية حيث يجب أن تكون؛ إنقاذ الأرواح لا تبييض الانقلابات، ووقف القتل لا إعادة التموضع الدبلوماسي.

وفي المحصلة، فإن ما فعلته وظلت تفعله مصر، على وجه الخصوص، اليوم ليس حادثاً عابراً ولا “تكتيكاً دبلوماسياً” معزولاً، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التدخلات التي ظلت منذ لحظة الاستقلال تميل دائماً ضد إرادة الشعب السوداني كلما حاول أن ينهض على قدميه. من مياه النيل إلى السياسة والأمن والاقتصاد، ظلّ الخيار المصري يميل إلى احتضان العسكر وإضعاف المدنيين، إلى إدارة السودان كملف حدود لا كدولة ذات سيادة، وكأن القاهرة لم تتعلم بعد أن استقرار الجوار لا يُبنى على كسر إرادة الشعوب بل على احترامها. والجزائر، التي كان يُفترض أن تقف تاريخياً مع حركات التحرر، تختار اليوم أن تصطف مع منطق “الدولة العميقة” والاستقرار القسري، فتضع ثقلها خلف سلطة خرجت من انقلاب وتغذّت على حرب، بدلاً من أن تنحاز إلى حق السودانيين في دولة مدنية سلمية. هكذا يتقاطع المساران المصري والجزائري عند نقطة واحدة؛ الخشية من شعبٍ حرّ أكثر من الخشية من دولةٍ محطّمة. لكن الحقيقة التي لن تتغيّر، مهما كثرت الضغوط والبيانات، هي أن الشعوب لا تُدار بالوصاية، وأن من يقف اليوم ضد إرادة السودانيين إنما يراهن على زمنٍ لن يطول؛ لأن التاريخ، في نهاية المطاف، لا ينحاز للدبابات ولا للبيانات المصقولة، بل لمن يقفون في الميادين حاملين حقهم وذاكرتهم ومستقبلهم.

[email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.