مكين تيراب.. رحلة ثلاثة عقود من النضال تتوج بمشروع التأسيس وحكومة السلام (1-2)
في حوار لا تنقصه الصراحة .. القيادي البارز في تحالف تأسيس مكين حامد تيراب
” تحالف تأسيس” يعيد تعريف السياسة السودانية: بين الحرب والسلام
(ضعنا مبادئ فوق دستورية تمنع الانقلابات إلى الأبد)
.. هنالك توافق غير مسبوق على علمانية الدولة
“الكيزان” خسروا المعركة… والمجتمع الدولي يفتح أبوابه لحكومة السلام
أماط المقرر العام لائتلاف تحالف تأسيس، مكين حامد تيراب، اللثام عن ملامح مسيرة طويلة من النضال السياسي امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، منذ انتفاضة أبريل 1985 وحتى إعلان حكومة السلام.. تحدّث مكين عن تجاربه في المعارضة بالخارج، ودوعي وأسباب تأسيس التحالف الجديد كاستجابة للواقع الوطني المعقّد، وقال في حوار استثنائي مع صحيفة ” تأسيس”، إن السودان يحتاج إلى مشروع سياسي جديد يجمع بين العمل المدني والعسكري لمعالجة جذور الأزمة. كما استعرض التحديات التي واجهت التحالف، من الاعتراف الدولي إلى الموارد، مؤكداً أن التأسيس وضع دستوراً وميثاقاً غير مسبوقين في تاريخ البلاد، يمثلان أساساً لدولة العدالة والمواطنة ووحدة التراب السودان.
مكين قيادي عركته التجارب، واصقلته النضالات، حتى بلغ خلاصة فكرية مفادها أن لا بديل عن التأسيس… هكذا ابتدرنا مقابلتنا معه فإلى مضابط الحوار:
إضاءة:
قال مكين في مستهل حديثه:
“مسيرة الكفاح – ولا أقول النضال فقط – بدأت منذ وقت مبكر، منذ أيامنا في جامعة القاهرة. كنا من أوائل المشاركين في انتفاضة رجب/أبريل 1985، ثم انخرطنا في اتحاد قوى الانتفاضة. وقبل انقلاب الكيزان المشؤوم بثلاثة أشهر غادرتُ السودان، واستمرّ خروجي لأكثر من ثلاثين عامًا هي عمر نظام الإنقاذ نفسه. طوال هذه الفترة واصلنا نضالنا ضد نظام الإنقاذ والمؤتمر الوطني، وأسّسنا التجمع الوطني الديمقراطي في الخليج انطلاقًا من المملكة العربية السعودية.”

وأضاف: “كان موقفنا خلال حرب الخليج مشرفاً وكبيراً، حافظنا فيه على مكتسبات الشعب السوداني، واستمرّ الكفاح حتى أسّسنا الجالية السودانية التي ضمّت جميع القوى السياسية بما فيها الحركة الشعبية وحركات الكفاح المسلح. كان ذلك النموذج من أكبر التجمعات الوطنية التي قادت العمل المعارض في تلك المرحلة، واستمر لثلاثة عقود من الزمان، استطعنا خلالها تحييد السفارة السودانية في الرياض تمامًا.”
وتابع مكين: “حتى قيام ثورة ديسمبر المجيدة، كنّا عبر المركز الثقافي السوداني من أكبر الداعمين للثوار في الداخل. ولم أغادر المعتقل إلا بعد سقوط المخلوع عمر البشير بأكثر من شهر. كانت تلك مسيرة طويلة نحيي من خلالها كل المناضلين الذين حملوا راية الحرية والكرامة.”
“بعد سقوط النظام عدتُ إلى الوطن، وتمّ تكليفي في عام 2020 برئاسة جهاز العاملين بالخارج، واستمرّ عملي حتى اندلاع الحرب. كنتُ قبلها بساعاتٍ فقط قد غادرتُ في مهمةٍ رسمية إلى المملكة المغربية بسبب إشكالات تتعلق بعمل الجهاز، وكان برفقتي وكلاء وزارات العدل والداخلية والخارجية ومجلس الوزراء والأدلة الجنائية. وبعد اندلاع الحرب لم أعد إلى السودان، وتَمّت إقالتي رسمياً، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من النضال من أجل إيقاف الحرب.”
حول أسباب قيام تحالف تأسيس
قال مكين:
“إن مسيرة الحراك الوطني في السودان طويلة وشائكة، وتحديات الواقع الوطني معقّدة للغاية. وتجربة التحالفات السياسية عبر التاريخ السوداني شهدت نجاحاتٍ محدودة، لكن الإخفاقات كانت الغالبة؛ بدءًا من التجمع الوطني الديمقراطي، مرورًا بـ نداء السودان والجبهة الثورية، وصولاً إلى تقدّم.”
وتابع: “عندما أُعلن تحالف تقدّم، كان الأمل كبيراً في أن يقدّم نموذجاً جديداً، خصوصاً وأن بداياته لم تكن سيئة. بل التقى قادته مع قوات الدعم السريع في تفاهمات بأديس أبابا، وهذا اللقاء لم يكن الأول؛ فالدعم السريع كان متوافقًا معهم من قبل في الاتفاق الإطاري. غير أن هذا الاتفاق نفسه كان السبب المباشر في اندلاع الحرب، نتيجة رفض الجيش وتعنّته، وانسجامه مع موقف الكيزان الذين رفضوا الاتفاق وهددوا بالحرب في إفطاراتهم الرمضانية واجتماعاتهم التنظيمية.”
قال مكين:
“إذا تأملنا مسار الحرب، نجد أن قوات الدعم السريع ظلّت طوال الوقت تمدّ يدها للسلام، بينما تجاهل الجيش والكيزان كل المبادرات بعبارة واحدة تتكرّر دائماً: (بل بس). لذلك أصبح من الضروري خلق واقع جديد يجمع بين العملين السياسي والعسكري في مسار واحد.”
وأوضح:
“لكننا كنّا نعلم أيضاً أن هناك قطاعات واسعة من المجتمع السوداني فُقدت تمامًا من مظلة الدولة، بعد أن جُرّد أبناؤها من الانتماء للوطن وحُرموا من أبسط حقوقهم الأساسية؛ من تعليم وصحة وخدمات، وحتى من استخراج الأوراق الثبوتية. تمّ قطع الاتصالات والكهرباء عنهم، واستُبدلت عملتهم، ثم جرى استهدافهم بالعنف المفرط باستخدام الطيران الحربي الذي دمّر القرى والمراعي والمنازل بلا تمييز.”
وأضاف بحزن:
“لقد صُدم العالم عندما شاهد دولةً تستخدم قوتها الفتاكة لهدم بنيتها التحتية وسحق مواطنيها بتلك الوحشية. كل هذه الجرائم دفعتنا للتفكير بطريقة مختلفة. وحين كنّا في تقدّم، أدركنا أن المسار القائم لا يمكن أن يحقق التغيير، فقررنا جماعيًا ضرورة قيام حكومة تراعي مصالح المجتمعات المتضرّرة.”
وتابع:“إلى جانب الدوافع الوطنية، كانت هناك دوافع إقليمية ودولية ناقشناها بوضوح. فالشعب السوداني خلال العقود الثلاثة الماضية دفع ثمناً باهظاً لتجاوزات النظام الإسلامي والإرهاب الذي صدّره للعالم، حتى صار السودان يُنظر إليه كتهديد للأمن الإقليمي. ومن هنا جاءت فكرة التأسيس كضرورة وطنية وإقليمية في آنٍ واحد.”
وأشار مكين إلى أن من بين الدوافع الوطنية أيضًا، القوانين الجائرة التي حرمت مواطنين من حقوقهم لمجرد وجودهم في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، وعلى رأسها ما سُمّي بـ قانون الوجوه الغريبة. وأضاف: “ما ذنب المواطنين في تلك المناطق حتى يُحرموا من حقوقهم القانونية والدستورية؟ لذلك كان لابد من واقعٍ جديد ينصفهم ويعيد إليهم مكانتهم كمواطنين كاملي الحقوق.”
“أما من حيث الدوافع الإقليمية والدولية، فالواضح أن الشعب السوداني خلال العقود الثلاثة الماضية دفع ثمناً فادحاً بسبب سياسات النظام الإسلامي وتورطه في دعم التطرف والإرهاب. لقد تحوّل السودان في نظر العالم إلى مصدرٍ للأزمات، وأصبح يشكل عبئًا حقيقيًا على الأمن الإقليمي والدولي. من هنا كانت دواعي التأسيس استجابةً لحاجة ملحّة لبناء دولة سودانية جديدة، متصالحة مع ذاتها ومتصالحة مع محيطها.”
وأضاف: “اتفقنا جميعاً على هذه الرؤية، ووقفنا أمام ثلاثة تحديات رئيسية واجهتنا منذ اللحظة الأولى، هي:
أولاً – الاعتراف الدولي بشرعية الحكومة الجديدة،
ثانيًا – كيفية توفير الموارد اللازمة لإدارة الدولة،
وثالثًا – الخوف من احتمالات التقسيم.”
وحول كيفية التعامل مع هذه التحديات، أوضح مكين:
“نحن الذين دعمنا قيام الحكومة كنّا نؤمن بالعكس تماماً، وهذا ما دفعنا إلى التفكير بعمق أكبر والبحث عن معالجات واقعية. خضنا حواراتٍ جادة ومكثفة، وبدأنا صياغة ميثاق تأسيس بمشاركة أطراف متعددة، من بينها مجموعة صمود، وكان لبعض قياداتها مساهمات مكتوبة بخط اليد في مسودة الميثاق.”
وتابع: “لكن في نهاية المطاف، توقّف بعض الأطراف عند نقاط محددة تتعلق بالموارد والاعتراف والخوف من التقسيم. ومن جانبنا، رأينا أن الأمر جلل ويستحق الاجتهاد والمضيّ فيه. وبتوفيق الله، تمكّنا من قيادة حوارات مع مختلف القوى السياسية السودانية، أبرزها الحركة الشعبية بقيادة الرفيق عبد الواحد، إلى جانب مكونات المجتمع المدني والمهنيين. كانت تلك أول مرة في تاريخ السودان يُفتح فيها نقاشٌ عميق وواضح حول القضايا الجوهرية، تجاوزنا فيه كل الفوبيات التاريخية التي كبّلت بلادنا لعقود.”
وأكد مكين أن النقاش شمل كل القضايا التي ظلّ السودانيون يهربون منها لأكثر من سبعين عاماً، مضيفاً: “ناقشنا بجرأة موضوع علمانية الدولة، وتوصّلنا إلى توافقٍ غير مسبوق حوله. ومن المدهش أن بعض من رفضوا الانضمام إلى تحالف تأسيس لأسباب اجتماعية أو شخصية عادوا لاحقاً ليعترفوا بأن ما أنجزه التحالف من دستور وميثاق لم يحدث في تاريخ السودان منذ الاستقلال، وربما لن يتكرر، لأنه جاء بمعالجات جذرية لكل الإشكالات التاريخية في بنية الدولة.”

وختم هذا المحور بالقول:
“لقد أسّسنا لدولة سودانية جديدة، دولة العدالة والمواطنة، ووضعنا مبادئ فوق دستورية تمنع تكرار الانقلابات إلى الأبد. حتى أن أحد السياسيين الذين يقفون الآن مع مجموعة صمود قال لي متسائلًا: (لقد تحقق أمر غير مسبوق.. فلماذا لا أنضم إليه؟) وكانت إجابتي: هذا بالضبط ما نريده — أن يجتمع الجميع على ما هو غير مسبوق.
“تحالف التأسيس لبّى أشواق الوطنيين السودانيين، ونحن نعذر من لم ينضم بعد لأسباب غير سياسية، لكني على يقين أنهم سيلتحقون قريبًا بالركب. فاليوم تصلنا طلبات لا حصر لها من جماعات وأفراد وأحزاب ومؤسسات ترغب في الانضمام، لأن التأسيس وضع الأساس لوطنٍ معافى يسع الجميع.”
وأضاف: “أكبر إنجاز تحقق حتى الآن هو انضمام إخوتنا في الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، وقد تجاوزنا بذلك مرحلة القطيعة تماماً، وحققنا درجة من التوافق تفوق كل التوقعات.”
وأكد مكين أن التحالف يمضي اليوم في توافق وانسجام مدهشين، مشيرًا إلى أن ما تحقق من ثقة خلال عامٍ واحد يُعد إنجازًا غير مسبوق. وقال:
“نحن نعمل بتناغم ومسؤولية عالية، ونحرص على حماية الكتلة التاريخية التي تشكّلت، لأن ما وصلت إليه تأسيس هو تعبير صادق عن إرادة الشعب السوداني. وقد أكدنا في الميثاق على وحدة السودان أرضًا وشعبًا.”
وأضاف: “التحالف يمتلك الآن خارطة طريق واضحة للخروج من الأزمة السودانية، ويعمل على صياغة رؤية شاملة للسلام العادل، قُدّمت بالفعل إلى القوى الإقليمية والدولية. إنها رؤية متكاملة ومنضبطة لمعالجة جذور الأزمة التاريخية في السودان، وهي جهود غير مسبوقة.”
عن الموقف الدولي
وعن تفاعل المجتمع الدولي مع الحكومة الجديدة، قال مكين: “في البداية واجهنا حملة تشويش كبرى قادها الكيزان، الذين ما زالوا يملكون واجهات كثيرة تدعمهم بعض الدول والمنظمات الإسلامية العالمية. ولا ننسى أنهم خلال ثلاثين عامًا من حكمهم كوّنوا شبكات علاقاتٍ واسعة مدفوعة بالرشاوى وعمليات فساد مذهلة، أنشأوا من خلالها مكاتب للعلاقات العامة في عواصم عدة للتأثير في الرأي العام الإقليمي والدولي.”
وتابع: “هذا الواقع جعلنا نواجه صعوبات كبيرة في التواصل مع المجتمع الدولي في بداياتنا، خاصةً وأن صورة الجيش السوداني كانت مظلمة عبر تاريخه؛ فهو لم يخض حربًا ضد عدو خارجي، بل كانت كل حروبه ضد شعبه — من جنوب السودان إلى جبال النوبة والنيل الأزرق، وصولًا إلى قمع المتظاهرين في الشوارع.”
تشكيل حكومة السلام وتفهم المجتمع الدولي:
“لكن بعد إعلان ميثاق ودستور تحالف التأسيس، ثم تشكيل حكومة السلام والوحدة، تغيّر الموقف تمامًا. فُتحت أمامنا الأبواب، وأصبح المجتمع الدولي يتفهم قضيتنا، والتقينا بجميع المبعوثين الإقليميين والدوليين، وشرحنا لهم رؤيتنا بوضوح. اليوم تسير الحكومة في أجواء إيجابية، وقد وجّهنا ضربة قاصمة لمشروع الكيزان الذي ظلّ يتغذّى على الفوضى والانقسام.