الكيزان باب العقوبات
الكيزان باب العقوبات
د. التوم حاج الصافي زين العابدين
يعيش السودان اليوم أخطر لحظاته منذ عقود، ليس لأن الحرب تأكل أطرافه فحسب، بل لأن البلاد تُساق مرة أخرى نحو مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، مواجهة سيدفع ثمنها الشعب السوداني وحده بينما يجلس أمراء الحرب على ركام الوطن يبحثون عن مكاسب تتبخر كلما اقتربوا منها. وفي هذا السياق، لم يكن تحقيق قناة فرانس 24 الذي كشف مزاعم استخدام الجيش السوداني لغاز الكلور في منطقة مصفاة الجيلي حدثًا عابرًا أو مجرد جدل إعلامي؛ بل كان انفجارًا سياسيًا بكل معنى الكلمة، إذ أعاد السودان إلى دائرة الاتهامات الخطيرة التي قد تفتح الباب لتحقيقات دولية وعقوبات مشددة وربما جلسات طارئة في مجلس الأمن، في لحظة دولية بالغة الحساسية لا تتحمل أي انزلاق جديد.
يزيد المشهد تعقيدًا أن العالم يدرك أن الجيش السوداني في هذه المرحلة واقع تحت تأثير تيار سياسي عقائدي له تاريخ طويل من الصدام مع المجتمع الدولي. فالحركة الإسلامية في السودان ليست صفحة بيضاء تُفتح من جديد، بل تأتي محمولة على سجل ثقيل من العقوبات والتوترات والاتهامات التاريخية بإيواء جماعات مسلحة والصدام مع مؤسسات حقوق الإنسان، فضلًا عن عزلة سياسية امتدت لسنوات طويلة أثرت على مكانة السودان وسمعته الدولية. ولهذا، فإن أي إشارة لعودة هذا التيار إلى مركز صناعة القرار، سواء عبر الحرب أو عبر السيطرة على مؤسسة كالجيش، تجعل المجتمع الدولي يقف بحذر وربما بعداء واضح، إذ يدرك تمامًا أن إعادة إنتاج التجربة السابقة تعني تهديد الأمن الإقليمي واحتمال تحويل السودان مرة أخرى إلى منصة لصراعات أيديولوجية تقطع الطريق أمام الاندماج الاقتصادي والدبلوماسي للبلاد.
وقد جاء الاتهام الكيميائي الأخير في لحظة تتداعى فيها الدولة من جميع جوانبها؛ اقتصاد يمشي على حافة الانهيار، حرب توسّع رقعة الدمار كل يوم، ملايين يعيشون أكبر كارثة إنسانية في تاريخ البلاد، ومجتمع دولي أصبح أكثر استعدادًا لفرض إجراءات قاسية. وفي حال ثبتت الاتهامات، فإن السودان قد يواجه أقسى حزمة عقوبات في تاريخه، وإجراءات قانونية ضد قيادات عسكرية وسياسية، وربما وضعًا يشبه تجارب دول انتهت تحت وصاية دولية جزئية أو كاملة.
وتكمن الخطورة الأكبر في أن أمراء الحرب — مهما اختلفت مواقعهم — لا يملكون مشروع دولة، بل مشروع صراع. لكن الخطر يتضاعف حين تتداخل الحرب مع مشروع سياسي ذي تاريخ صدامي مع العالم، لأن ذلك يعني أن الحرب لن تتوقف قريبًا، وأن عزلة السودان ستتعمق، وأن المجتمع الدولي لن يقدم أي فرصة أو دعم، وأن المواطن البسيط سيدفع ثمنًا فوق طاقته. فكل مشروع سياسي يعيد السودان إلى خانة الاتهام الدولي هو مشروع يهدد بقاء الدولة نفسها، وليس فقط مسار الحرب.
ومن هنا تبدو الحقيقة واضحة وصادمة: لا أحد قادر على إنقاذ السودان إلا السودانيون أنفسهم، بعد أن يسقطوا وهم أمراء الحرب الذين لا يريدون دولة بل يريدون مُلكًا. يقف السودان اليوم أمام مفترق بالغ الدقة؛ فإما طريق الدولة الحديثة التي تُبنى على القانون والمؤسسات والسيادة الوطنية، أو طريق أمراء الحرب الذي يقود إلى عزلة، اتهامات، مواجهات مع العالم، وانهيار لا ينجو منه أحد. وما لم يتحرر الجيش من السيطرة السياسية، وما لم يدرك الشعب أن التجربة السابقة للحركة الإسلامية — بكل تناقضاتها وصداماتها — لا يمكن أن تقود البلاد إلى مستقبل تحترمه الأمم، فإن السودان سيظل يدور في الحلقة ذاتها التي التهمت أجيالًا متتابعة.
ويبقى السؤال الذي يصرخ كل يوم في وجوه الجميع: إلى متى سيظل الشعب وحده يدفع الثمن؟ وإلى متى تُترك البلاد رهينة لأمراء حرب لا يريدون وطنًا بل يريدون سلطانًا؟