عشر سنوات من القصف الممنهج: توثيق جرائم الدولة السودانية ضد المدنيين في جبال النوبة والنيل الأزرق
عشر سنوات من القصف الممنهج: توثيق جرائم الدولة السودانية ضد المدنيين في جبال النوبة والنيل الأزرق
بقلم: عمار نجم الدين
قانوني وباحث في حقوق الإنسان و خبير قانوني ، مختص في التوثيق الميداني والمناصرة الدولية، ومتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية ومنظمة العفو الدولية في قضايا الانتهاكات الخطيرة
على مدى عقد كامل تتكرر في جبال النوبة والنيل الأزرق وقائع قصف جوي ممنهج يستهدف المدنيين والبنية الأساسية للحياة، بما يشمل المدارس والمستشفيات ومراكز الإغاثة وبيوت العبادة. ويصعب فصل هذا النمط من الهجمات عن البنية التاريخية للدولة المركزية في السودان، التي ظلت تتعامل مع هذه الأقاليم باعتبارها مناطق خارج السيطرة السياسية، ومواقع لإعادة إنتاج العنف على أسس إثنية وثقافية. وبين عامي 2011 و2025 تعاقبت جرائم موثقة دولياً تُظهر استمرارية هذه السياسة دون تغير حقيقي، رغم تبدل الأنظمة والأسماء والخطابات.
ما يعزز قيمة هذه الوقائع قانونياً هو توفر أرشيف ميداني واسع جرى جمعه خلال سبع سنوات من العمل المباشر في مناطق النزاع. فقد وثّق كاتب هذا التقرير، باستخدام كاميرات الفيديو والصور الفوتوغرافية والمقابلات المباشرة مع الضحايا، عشرات الهجمات التي استهدفت مرافق مدنية خالصة. ويحتوي هذا الأرشيف على أدلة مادية لوجود ألغام أرضية زُرعت في طرقات المدنيين، وعلى مشارف المدارس والمستشفيات، وعلى أدلة لا لبس فيها على استخدام القنابل العنقودية، وهي ذخائر محظورة دولياً بسبب طبيعتها غير المميزة وتأثيرها طويل الأمد. كما تتضمن المواد الموثقة صوراً لمستشفيات مدمرة ومساجد وكنائس قصفت أكثر من مرة في كاودا وهيبان وأم دورين وجنوب كادقلي، إلى جانب استهداف واسع للقرى في النيل الأزرق بحرمان سكانها من العلاج والغذاء وإخضاعهم لحصار شامل.
في مايو 2015، قُصفت بلدة هيبان بعدة قنابل ألقتها طائرة حكومية على مدرسة هيبان الابتدائية و مدرسة اللاهون و الحي السكني ، مما أدى إلى مقتل ستة أطفال وامرأة. وثّقت الصور شظايا القنبلة وجثامين الأطفال الأشقاء، وأكّد شهود العيان المسجلون بالصوت والصورة غياب أي وجود عسكري في المنطقة، ما يجعل العمل جريمة حرب مكتملة العناصر. وفي مارس 2024 تكرر المشهد في مدرسة الهدار بمنطقة دلامي، حيث أدى القصف إلى مقتل أحد عشر تلميذاً ومعلمين اثنين، وإصابة العشرات. تظهر الصور التي التقطها الكاتب فصولاً دراسية مدمرة وحقائب مدرسية متناثرة وجثامين صغيرة كان يفترض أن تكون في حصصها الدراسية، ما يعكس استهدافاً مباشراً للعملية التعليمية.
وفي ديسمبر 2024، تعرّض مكتب برنامج الأغذية العالمي في يابوس لقصف جوي أسفر عن مقتل ثلاثة من موظفي الوكالة في منطقة تعاني أصلاً من ظروف تشبه المجاعة. تعتبر يابوس واحدة من أهم مقارّ المنظمات المحلية والدولية، وهي منطقة مدنية محضة وفق القانون الدولي الإنساني. وفي ليلة القصف فر مئات المدنيين من المنطقة، ولجأوا إلى الغابات والمناطق الخلوية، وبقوا لأيام في العراء دون مأوى أو حماية، خوفاً من تكرار الضربة. تعكس شهادات المدنيين الذين وثّق الكاتب رواياتهم حالة ذعر جماعي وانهيار شبه كامل للوصول إلى الغذاء والدواء عقب توقف عمليات البرنامج. ووفق ميثاق روما الأساسي، فإن استهداف منطقة مدنية ينتمي سكانها إلى إثنية واحدة، ويعتمدون على منشأة إنسانية كوسيط رئيسي للبقاء، لا يقتصر على تصنيفه جريمة حرب، بل يرقى إلى توافر العناصر الأولية لجريمة الإبادة الجماعية، عبر خلق ظروف معيشية تهدد بقاء جماعة إثنية محددة.
هذا النمط ليس جديداً. فالحرب الأولى والثانية في جبال النوبة شهدتا جرائم واسعة النطاق ضد السكان من النوبة، الذين تعرضوا للقصف والحصار الغذائي والحرمان من العلاج، في سياق اتخذ طابعاً عرقياً وثقافياً واضحاً. واليوم تتكرر العناصر ذاتها: القصف المتكرر للمناطق التي يسكنها أبناء الإثنية نفسها، استهداف المدارس والمستشفيات دون وجود أي هدف عسكري، واستخدام الألغام في الطرق المؤدية للمراكز الصحية، وعرقلة وصول الإغاثة، وفرض ظروف معيشية قاسية تستهدف جماعة بعينها.
وفي 29 نوفمبر 2025 تواصل هذا النمط في منطقة كُمو، حيث أدى القصف بطائرة مسيرة إلى مقتل خمسة وأربعين مدنياً، معظمهم طلاب. جمعت الأدلة في الساعات الأولى بعد الحادثة، وتظهر بوضوح أن المنطقة مدنية بالكامل، وأن الضربة جاءت في إطار استراتيجية الترهيب والقصف المتكرر ضد المدارس والقرى، بما يدفع إلى النزوح القسري.
هذه الوقائع مجتمعة تكشف عن بنية عنف ممنهج، تتكرر فيها العناصر الأساسية نفسها: غياب أي اشتباك عسكري عند مواقع القصف، استهداف مباشر للمدنيين والبنية التعليمية والصحية، واستخدام أسلحة غير مميزة في مناطق مكتظة بالمدنيين. ومن المهم الإشارة إلى أن كل هذه الانتهاكات وقعت في فترة لم تكن فيها الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال جزءاً من أي تحالف سياسي أو عسكري، أي قبل فبراير 2025، ما يؤكد أن الاستهداف كان موجهاً إلى المجتمعات المدنية في مناطق الهامش وليس إلى طرف سياسي بعينه.
وبناءً على الأدلة المتراكمة خلال سبع سنوات من التوثيق البصري والميداني، فإن هذه الجرائم لا تستوفي فقط تعريف جرائم الحرب، بل تتداخل كذلك مع المعايير الأولية لجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، وفقاً لميثاق روما الأساسي. ومن ثم، فإن الضرورة تقتضي فتح تحقيق دولي عاجل، ووضع إقليمَي جبال النوبة والنيل الأزرق تحت ولاية المحكمة الجنائية الدولية، لضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب، وإنشاء سجل رسمي يُعيد الاعتبار للضحايا ويؤسس لسلام قائم على العدالة.