علي جاد الله يكتب .. إعدام المدنيين كمنهج للترهيب والإخضاع من ذاكرة مجازر الحركة الإسلامية (1)
إعدام المدنيين كمنهج للترهيب والإخضاع
من ذاكرة مجازر الحركة الإسلامية (1)
– علي جاد الله
دأبت الحركة الإسلامية على إعدام وتصفية المدنيين كأسلوب ومنهج إخضاعي وترهيبي للمخالفين والمعارضين، بل طالت التصفيات من ينتمي إثنياً أو ثقافياً أو جهوياً لمجتمعات صنفتها الحركة الإسلامية كحواضن للحركات المعارضة. شنت الجبهة القومية الإسلامية حرباً وحشية على مجتمعات جنوب السودان، تجلت في الانتهاكات الانتقامية ضد المدنيين في المدن الجنوبية كملكال وجوبا وواو وأويل، حيث تعرضت النساء لكافة صنوف التعذيب والاغتصاب والحرمان من العلاج، واختطف أطفالهن وأخذوا للعمل في منازل الضباط والجنود كخدم. تقف أسماء أحياء مدينة جوبا شاهدة على ذلك؛ نذكر على سبيل المثال حي (أطلع برا) الذي كان يجبر فيه الرجال على الخروج من المنزل واغتصاب النساء، وكذلك (حي رجال مافي) و(حي جبرونا) و(حي لباس مافي). أما المكان الأشهر للإعدام فهو (جبل دينكا) الذي اشتهر بإعدام المواطنين من قبيلة الدينكا الذين يتهمون زوراً بالانتماء للحركة الشعبية والجيش الشعبي.
ولم تكتف الحركة الإسلامية بعمليات إعدام المواطنين العزل في جنوب السودان، بل تواصلت كمنهج لقتل المعارضين السياسيين، منهم الطبيب علي فضل الذي دق مسمار في رأسه، وكذلك الاختفاء القسري للشاعر أبوذر الغفاري والكادر السياسي لمؤتمر الطلاب المستقلين أحمد ضوء البيت. أما الأسوأ فهو أساليب التقتيل التي مورست على مئات طلاب الجامعات السودانية الذين قتلوا في المعتقلات والمظاهرات الطلابية داخل أسوار الجامعات بالأسلحة النارية والبيضاء.
قمع المظاهرات السلمية بالقتل: سبتمبر وديسمبر
جندت الحركة الإسلامية كوادر القتل عبر أجهزتها القمعية في جهاز الأمن والمخابرات والأمن الشعبي، الأداة التنظيمية الباطشة للتنظيم، الذين كانوا مستعدين لإزهاق الأرواح، فقد كانوا معتادين على التعذيب والقتل في ما سمي بالمجاهدين في جنوب السودان وجبال النوبة. عندما خرج مئات الآلاف من الطلاب المحتجين في سبتمبر 2013م، وضعوا قناصين متخصصين للقتل المباشر على الرأس والصدر، فأزهقوا حياة أكثر من 250 مواطناً في يوم واحد.
كان اندلاع ثورة ديسمبر 2018م بداية لتجربة دموية أخرى شهدها المجتمع المدني، خاصة في الخرطوم، وخلال الأشهر الثلاثة ونصف التي اندلعت فيها الثورة، شهدت عدد من المدن عمليات تصفية لعدد من المواطنين بأساليب وحشية، وأكثرها حضوراً مقتل الأستاذ محمد خير في مدينة القضارف الذي قتل بعد اغتصابه بأداة حادة حتى الموت، وغيرهم المئات ممن قتلوا في صمت بأفواه بنادق الشرطة وجهاز المخابرات والأمن الشعبي.
القتل الممنهج للمدنيين بعد 15 أبريل 2023م
منذ بداية حرب 15 أبريل، أخذ الاستهداف منحىً عرقياً وجهوياً، خاصة لما عرف بحواضن الدعم السريع، ووضعت الحركة الإسلامية عدة قبائل على قائمة الاستهداف، خاصة قبائل البقارة والأبالة في غرب السودان. فكل مواطن ينتمي إلى هذه المجتمعات مستهدف، ولو كان ضمن جنود القوات المسلحة، فتمت تصفية أعداد كبيرة من الجنود والضباط الذين كان لهم إخوة أشقاء منخرطون ضمن صفوف قوات الدعم السريع.
مجزرة ود مدني 17 ديسمبر 2023م
أما الاستهداف الأكبر فكان في المدن التي تخضع لسيطرة الجيش، خاصة مدينة ود مدني التي شهدت أكبر مجزرة لمواطنين كانوا قد هربوا من جحيم حرب الخرطوم، وقبل دخول الدعم السريع لمدني. وفي 17 ديسمبر 2023م، أعدم جنود القوات المسلحة أكثر من 170 رجلاً، وأغلبهم شباب دون 25 عاماً، قامت الكتائب بجمعهم من سوق مدينة ود مدني من عمال الأعمال الهامشية النازحين، تم تصنيفهم من السوق كوجوه غريبة أي ينتمون لغرب السودان. كان الإعدام بشعاً ودموياً، وقد وثقت كتائب الحركة الإسلامية وجنود الجيش عمليات الاقتياد نحو المذابح والجثث التي تناثرت بأعداد كبيرة ولم تدفن حتى اليوم الثاني لدخول قوات الدعم السريع المدينة، وقد وثقوها المرة الثانية، وتمت عملية دفن جماعي بالبوكلين.
مجازر الدندر وقرى شرق سنار وقرى سنجة
بعد انسحاب قوات الدعم السريع من الدندر وقرى شرق سنار، قامت قوات الجيش وكتائبه الإسلامية بإعدام أكثر من 350 مدنياً في المناطق تحت ذريعة تعاونهم مع قوات الدعم السريع في أواخر أكتوبر 2024م، ويأتي مفهوم التعاون هو أي تعامل بدأ من عمليات البيع والشراء في السوق أو البقالة أو المستشفى أو الصيدلية، فمفهوم التعاون يخضع لتفسير القاتل حسب الانتماء الجهوي والقبلي، وطال القتل في مناطق الدندر وشرق سنار كل من تعود أصوله لغرب السودان والهوسا وقبائل رفاعة. أما في قرى سنجة، وخاصة جنوبها وغربها، فقد استهدفت المجموعات الاجتماعية التي تعود أصولها لقبائل غرب السودان التي يتجاوز تاريخ وجودها في المنطقة لأكثر من 130 عاماً. كان الاستهداف بقصد التهجير، وقد استهدفت ميليشيات الحركة الإسلامية مئات المنازل وأخرجوا منها الشباب وأعدموهم في الشارع العام، فضلاً عن اختفاء المئات ولم تتمكن أسرهم المهددة بالقتل من الشكوى أو الإعلان عن الاختفاء والقتل والتعذيب.
نواصل..