حظر السلاح على السودان.. هل يملك مجلس الأمن مفتاحاً لوقف الحرب؟
تقرير – محمد الهادي
واشنطن تدفع لتوسيع الحظر المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان، وسط مخاوف من استمرار تدفق السلاح وتحوّل الحرب إلى صراع إقليمي مفتوح
تتجه الأنظار إلى مجلس الأمن مع بحث المقترح الأمريكي الرامي إلى توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان، في خطوة يمكن أن تغيّر الإطار الدولي للتعامل مع إمدادات السلاح إلى طرفي الحرب.
ويأتي التحرك الأمريكي في وقت أصبحت فيه الطائرات المسيّرة والأسلحة بعيدة المدى من أبرز أدوات القتال، بينما تتزايد الدعوات الدولية إلى وقف تدفق الأسلحة التي تغذي الصراع وتفاقم كلفته على المدنيين.
لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بقدرة واشنطن على تمرير المقترح، وإنما بما يمكن أن يحدث بعد صدور القرار: هل يستطيع حظر شامل للسلاح فعلاً خنق إمدادات الجيش والدعم السريع؟ ومن سيكون الطرف الأكثر تأثراً؟ وماذا يعني فشل المجلس في توسيع الحظر؟
اختبار للإرادة الدولية
يرى المحلل السياسي التجاني الحاج أن فرص نجاح المقترح الأمريكي تبدو مرتفعة، خصوصاً في أعقاب التقارير الأخيرة التي تحدثت عن استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية.
ويعتقد الحاج أن تداعيات هذه التقارير قد تتجاوز مسألة إدانة الاستخدام إلى إحراج دول ساعدت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تمكين الجيش من تصنيع أو استخدام هذا النوع من الأسلحة، فضلاً عن كشف شبكات الإمداد التي مرت عبرها.
وبحسب تقديره، فإن إقرار حظر السلاح على كامل السودان سيؤدي عملياً إلى انحسار تدفق الأسلحة إلى طرفي الحرب، لكنه لن يوقفه بالكامل.
ويقول إن المتوقع هو إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، من خلال تغيير الشبكات اللوجستية والطرق المستخدمة لإيصال الأسلحة والمعدات العسكرية، مستفيدين من طول الحدود السودانية وانفتاحها.
ويضع الحاج الجيش في موقع الطرف الأكثر تأثراً بالقرار، باعتبار أن وصول الأسلحة إليه يعتمد على منافذ محدودة، أبرزها البحر الأحمر وبعض دول الجوار، وهي منافذ يرى أنها أكثر عرضة للرقابة الدولية.
لكن صالح عمار، المتحدث باسم تحالف القوى المدنية لشرق السودان، ينظر إلى المسألة من زاوية مختلفة، معتبراً أن المستفيد الأول من أي حظر فعال سيكون المدني السوداني.
ويقول عمار إن سلاح الطيران والمسيّرات وقع في أيدي أطراف متحاربة استخدمته بصورة أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين وتدمير مرافق صحية وتعليمية وإنسانية، فضلاً عن الممتلكات العامة والخاصة.
ويرى أن التدمير الممنهج للبنية التحتية والمصانع أخرج السودان من دائرة التصنيع، معتبراً أن ما حدث يشبه، في تقديره، تجربة تدمير المصانع السورية.
المسيّرات.. السلاح الأخطر
بالنسبة لعمار، فإن أي جهد لحظر الطيران والمسيّرات يستحق الترحيب، خصوصاً أن هذه الأسلحة أصبحت تستهدف محطات الكهرباء والمستشفيات والمدارس، وتضع المدنيين أمام خطر الموت في أي لحظة.
ويرفض عمار فكرة أن حظر السلاح سيصب بالضرورة في مصلحة طرف واحد، مؤكداً أن الجيش والدعم السريع يستخدمان المسيّرات بكثافة، وأنها أصبحت «السلاح الأكثر خطورة» في النزاع.
ويرى أن تطبيق القرار يمكن أن يحدث أثراً ملموساً، لأن مراقبة استخدام الطائرات والمسيّرات، بحسب تقديره، أسهل من مراقبة عمليات تهريب الأسلحة التقليدية.
وهنا تتقاطع إفادته مع أحد أهم الأسئلة التي تواجه مجلس الأمن: هل يكون حظر التكنولوجيا العسكرية والطائرات المسيّرة أكثر قابلية للتنفيذ من حظر شامل لكل أنواع السلاح؟
إذا فشل المجلس.. حرب أطول وأوسع؟
في المقابل، يحذر التجاني الحاج من أن عدم تمكن مجلس الأمن من توسيع نطاق حظر السلاح سيعني، في تقديره، اتساع رقعة الحرب وتضاؤل فرص الوصول إلى حل سياسي.
ويربط الحاج هذا الاحتمال بالانقسام الإقليمي حول الحرب، محذراً من أن استمرار الدعم العسكري قد يدفع دولاً إقليمية إلى الانخراط بصورة أكبر، بحيث تتحول الحرب تدريجياً من صراع بين أطراف سودانية إلى مواجهات إقليمية تجري على الأراضي السودانية.
ويذهب الحاج أبعد من ذلك في تقييم قدرة المجتمع الدولي على وقف الحرب، معتبراً أن تمديد الحظر ليشمل كامل السودان سيكون اختباراً للإرادة الدولية، لكنه يرى أن هذه الإرادة تصطدم بمصالح تتعلق بالسلاح والمياه والذهب وغيرها.
أما صالح عمار، فيضع القضية في إطار إنساني، داعياً دول مجلس الأمن إلى الاستماع إلى “صوت الضمير الإنساني” والعمل على وقف معاناة المدنيين، التي يقول إنها وصلت إلى مستوى غير مسبوق.
قرار مهم.. لكنه لن يوقف الحرب وحده
المعضلة أن صدور قرار بحظر السلاح لا يعني بالضرورة توقف تدفقه. فطول الحدود السودانية، وتعدد طرق التهريب، وتداخل المصالح الإقليمية، كلها عوامل يمكن أن تمنح أطراف الحرب القدرة على البحث عن طرق بديلة للإمداد.
لكن القرار، في المقابل، يمكن أن يرفع الكلفة السياسية والقانونية على الدول والجهات التي تواصل تسليح أطراف النزاع، ويمنح المجتمع الدولي أساساً أوسع لملاحقة شبكات الإمداد ومراقبة عمليات نقل الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو معركة مجلس الأمن كخلاف حول نص عقوبات، وإنما اختباراً لقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من إدانة الحرب إلى محاولة خنق الأدوات التي تجعل استمرارها ممكناً.
ويبقى السؤال: إذا كان قرار حظر السلاح لن يوقف الحرب بمفرده، فهل يستطيع مجلس الأمن على الأقل أن يجعل استمرارها أكثر كلفة على من يشنونها ومن يمدونها بالسلاح؟