من صنع القنبلة؟
من صنع القنبلة؟
من برنامج الأسلحة الكيميائية إلى دوائر القرار.. كيف يمكن أن تمتد المسؤولية الجنائية إلى ما وراء منفذي الهجمات؟
✍️بقلم – محمد الهادي
في 16 مايو 2020، أُلقي القبض في فرنسا على فليسيان كابوغا، أحد أشهر المطلوبين في قضايا الإبادة الجماعية في رواندا، بعد أكثر من 22 عاماً قضاها هارباً من العدالة.
لم يكن كابوغا جنرالاً أو قائداً ميدانياً يحمل السلاح. كان رجل أعمال ثرياً، لكن المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا اتهمته بدور داخل آلة الإبادة التي شهدتها البلاد عام 1994.
وُجهت إليه عام 1997 اتهامات بالإبادة الجماعية، والتحريض المباشر والعلني عليها، والتآمر لارتكابها وجرائم ضد الإنسانية.
وبحسب ملف القضية، كان رئيساً للجنة المبادرة الخاصة بإذاعة وتلفزيون “الألف تلة” RTLM، كما اتُهم بتقديم دعم مالي ولوجستي للمليشيات والمساعدة في توفير الأسلحة والذخائر.
تكمن أهمية قصة كابوغا في أنها تضع المسؤولية الجنائية خارج الصورة التقليدية للقاتل الذي يحمل السلاح. فالجريمة الجماعية قد تتطلب تمويلاً وتحريضاً وتسليحاً وتنظيماً وقرارات تسبق لحظة التنفيذ.
وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة في السودان، مع تطور ملف الأسلحة الكيميائية المنسوبة إلى الجيش السوداني.
فالقضية تجاوزت سؤال استخدام الكلور كسلاح في هجوم محدد، إلى سؤال أخطر: كيف ظهر هذا السلاح؟ ومن حصل على مواده؟ ومن طور الذخائر؟ ومن اختبرها وخزنها؟ ومن أصدر أوامر استخدامها؟
الوثائق والصور ومقاطع الفيديو التي نشرتها “واشنطن بوست” في سبتمبر 2026 تقدم، وفق تحقيق الصحيفة، مؤشرات على برنامج عسكري منظم للأسلحة الكيميائية. وتتحدث المواد عن تحويل شحنات من الكلور المخصص لمعالجة مياه الشرب، ومواقع لإنتاج رؤوس حربية داخل منشآت عسكرية، واختبارات في مناطق صحراوية، وذخائر تحتوي على غاز خانق.
كما تشير رسائل حصلت عليها الصحيفة إلى تخزين مئات الذخائر الكيميائية في قاعدة مروي الجوية، وإلى استخدام 106 قنابل، فيما تتحدث وثيقة أخرى عن تصميم ذخيرة تحتوي على 15 كيلوغراماً من الغاز و20 كيلوغراماً من المتفجرات.
وتظهر مواد مصورة، وفق خبراء استشارتهم الصحيفة، سحابة صفراء مخضرة تتوافق مع خصائص الكلور.
وبحسب هذه المواد، فإن القضية تتجاوز واقعة استخدام الكلور في هجوم محدد إلى وجود قدرة عسكرية جرى تطويرها من الحصول على المادة الكيميائية، مروراً بتصنيع الذخائر واختبارها وتخزينها، وصولاً إلى استخدامها. وهنا تصبح المسؤولية مرتبطة بكل دور أسهم في إنشاء هذه القدرة أو تشغيلها، بحسب ما تثبته الأدلة.
وكانت تقارير سابقة قد قدمت مؤشرات على استخدام الكلور في هجومين قرب مصفاة الجيلي في سبتمبر 2024. وقالت “هيومن رايتس ووتش” إن تحقيقاً لـ”فرانس 24″ قدم عناصر أولية تؤيد احتمال استخدام الجيش السوداني للكلور في الهجومين.
لكن ما تكشفه الوثائق الجديدة، يفتح باباً أوسع بكثير من مجرد تحديد المادة المستخدمة في هجوم.
فوجود برنامج لتطوير ذخائر كيميائية يطرح أسئلة محددة حول أصحاب القرار: من أشرف على البرنامج؟ من وفر المواد والمنشآت؟ من تلقى تقارير الاختبارات؟ من أصدر أوامر الاستخدام؟ ومن كان يعلم بطبيعة النشاط العسكري وما ترتب عليه؟
وهنا تبدأ أهمية التمييز بين الأدوار.
فالمسؤولية الجنائية لا تنتقل تلقائياً إلى كل من دعم الحرب أو أيد الجيش. لكنها قد تنشأ عندما تثبت الأدلة وجود أمر بارتكاب جريمة، أو تحريض مقصود عليها، أو مساهمة جوهرية في تنفيذها مع العلم بطبيعتها، وفق القواعد القانونية المنطبقة على الجريمة والدور الذي قام به الشخص.
وهذا يجعل الخطاب العلني أثناء الحرب مادة مهمة للتحقيق، خصوصاً عندما تتضمن الدعوات استهداف منشآت أو مناطق بعينها، مثل مصفاة الجيلي أو كبري شمبات، أو تبرير استهداف المدنيين والأعيان المدنية والدعوات التي تستهدف ما وُصف بـ”الحواضن الاجتماعية”.
لكن الخطاب وحده لا يكفي. السؤال القانوني هو ما إذا كان هناك رابط يمكن إثباته بين الكلام والقرار والتنفيذ، وما إذا كان الشخص قد قصد المساهمة في الجريمة أو قدم مساعدة ذات أثر حقيقي في وقوعها.
وتزداد أهمية هذا الجانب مع ما تقوله “واشنطن بوست” عن محاولات لإخفاء آثار استخدام الذخائر الكيميائية وتطوير تصميمات جديدة يصعب معها إثبات طبيعة الهجوم.
إذا ثبتت هذه الوقائع، فإن التحقيق لن يبحث فقط عن الجهة التي نفذت الهجوم، وإنما عن الأشخاص الذين اتخذوا القرارات التي جعلت امتلاك هذا السلاح واستخدامه ممكناً.
وهنا تبرز قصة كابوغا مرة أخرى.
فكابوغا ظل هارباً لأكثر من عقدين، لكن هروبه لم يُسقط الاتهامات التي واجهها. توفي في مايو 2026 في أحد مستشفيات السجون في لاهاي، وأنهت المحكمة الإجراءات بحقه بعد أن حالت حالته الصحية دون محاكمته.
لم تصل قضيته إلى حكم نهائي يحدد مسؤوليته عن الوقائع المنسوبة إليه، لكنها بقيت مثالاً على أن التحقيق في الجرائم الجماعية قد يتجاوز الأشخاص الذين نفذوا عمليات القتل مباشرة إلى من ساهموا في تمويلها أو التحريض عليها أو تمكين مرتكبيها.
وفي السودان، الحرب التي بدأت في أبريل 2023 أنتجت شبكة واسعة من الفاعلين: قادة عسكريين، وممولين، وتجار سلاح، وشركات، وشبكات إمداد، وواجهات سياسية وإعلامية.
ومع ظهور ملف الأسلحة الكيميائية، تصبح مهمة التحقيق أكثر تحديداً: تحديد من أنشأ القدرة الكيميائية، ومن اتخذ القرارات المتعلقة بها، ومن شارك في تشغيلها، ومن أصدر أو نفذ أوامر الاستخدام، ومن حاول بعد ذلك إخفاء الأدلة.
وهذه ليست مهمة سياسية فقط، وإنما مهمة إثبات. فكل اسم يحتاج إلى وثيقة أو شهادة أو اتصال أو أمر أو معاملة مالية أو أثر مادي يربطه بالفعل محل التحقيق.
في النهاية، إذا ثبت أن الجيش السوداني أنشأ برنامجاً لتطوير الأسلحة الكيميائية وتخزينها واستخدامها، فلن تتوقف القضية عند الطيار الذي أسقط القنبلة أو الجندي الذي نفذ الأمر. ستصل إلى من أنشأ البرنامج، ومن موّله، ومن أصدر أوامره، ومن عرف بما يجري وامتلك القدرة على إيقافه.
كابوغا يذكّر بأن المسؤولية قد تصل إلى من يقف خلف الجريمة بعيداً عن ساحة القتال. وفي السودان، قد تكون أخطر أسماء الحرب هي تلك التي لم تظهر في صور المعارك أصلاً، لأنها كانت في المكاتب التي صُنعت فيها القرارات.