محكمة غراء الزاوية… حين تُستهدف مؤسسات الإصلاح يخسر المجتمع كله
محكمة غراء الزاوية… حين تُستهدف مؤسسات الإصلاح يخسر المجتمع كله
بقلم: الزين عبد العزيز يونس
ليست المآسي الكبرى مجرد أرقام تُحصى، ولا أسماء تُكتب في قوائم الضحايا، وإنما هي خسائر تصيب ضمير المجتمع وتترك ندوبًا في ذاكرته. وما جرى في محكمة غراء الزاوية الأهلية يمثل مأساة إنسانية أليمة، أودت بحياة عشرات المدنيين وفق ما أوردته تقارير وبيانات متداولة، وأثارت إدانات ودعوات لاحترام القانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين.
وغراء الزاوية ليست مجرد قرية على خارطة دارفور، بل هي مدرسة في حفظ القرآن الكريم، حتى اشتهر عنها أن قلما يخلو بيت فيها من حافظ لكتاب الله أو طالب علم. وهي مجتمع تشكل عبر عقود على قيم الذكر، والعلم، والإصلاح، والتعايش، وتضم أكثر من اثنتين وخمسين قبيلة تعيش في وئام، تجمعها الأخوة الإنسانية قبل أي انتماء آخر.
ولعل أكثر ما يميز هذه البلدة هو قوة نسيجها الاجتماعي، وتمسك أهلها بالقيم الدينية والأخلاقية، حتى أصبحت نموذجًا لمجتمع تسوده السكينة، وتندر فيه المظاهر التي تهدم الأخلاق أو تفسد الشباب، وهو ما جعلها بيئة صالحة لبناء الإنسان قبل بناء العمران.
ومن رحم هذا المجتمع نشأت المحكمة الأهلية، التي لم تكن مجرد مكان للفصل في الخصومات، وإنما مؤسسة اجتماعية للإصلاح، يجتمع فيها الحكماء وأهل الرأي لإطفاء نار النزاعات، ورد الحقوق، وإعادة الوئام بين الناس. وقد عُرفت بالنزاهة والاستقلال والعدل، ولم يكن معيارها قبيلة أو نسبًا أو مكانة، وإنما الحق وحده.
إن المجتمعات التي تمتلك رجال إصلاح وحكماء ومؤسسات أهلية عادلة تمتلك في الحقيقة أعظم ثروة يمكن أن تملكها، وهي المورد البشري. فالمصلح الواحد قد يمنع فتنة، ويحفظ دماء، ويجمع شمل أسر، ويعيد الطمأنينة إلى مجتمع بأكمله. ولذلك فإن المحافظة على هؤلاء ليست مسؤولية اجتماعية فحسب، بل ضرورة وطنية وإنسانية.
إن الوطنية لا تعني فقط حماية الأرض، وإنما تعني أيضًا حماية الإنسان الذي يعمرها، وصيانة العقول التي تبنيها، والمحافظة على المصلحين الذين يحملون همَّ الناس ويقودون مبادرات الصلح والتسامح. فالأوطان لا تنهض بالسلاح وحده، وإنما تنهض بالحكمة والعلم والعدالة.
لقد أثبتت سنوات الحرب أن استمرار العنف لا يورث إلا مزيدًا من الفقد؛ فهو يرمل النساء، ويتم الأطفال، ويعطل المدارس، ويهجر الأسر، ويقوض فرص التنمية، ويستنزف الكفاءات التي يحتاجها السودان لبناء مستقبله. وكلما طال أمد الحرب، ازدادت الفجوة بين المجتمع والاستقرار، وبين الأجيال القادمة وحقها في التعليم والحياة الكريمة.
إن حماية المدنيين، وصون مؤسسات الإصلاح الأهلي، والحفاظ على العلماء، وحفظة القرآن، والإدارات الأهلية، وكل من يعمل على رأب الصدع بين الناس، يجب أن تكون أولوية لا خلاف عليها، لأن هذه المؤسسات هي التي تحفظ للمجتمع توازنه عندما تعصف به الأزمات.
لقد آن الأوان لأن يُدرك الجميع أن السلام ليس شعارًا سياسيًا، بل هو ضرورة إنسانية، وأن بناء المستقبل يبدأ بحماية الإنسان، واحترام حياته وكرامته، وتمكين مؤسسات الصلح والإصلاح من أداء رسالتها بعيدًا عن ويلات الحرب.
رحم الله جميع الضحايا، وشفى الجرحى، وربط على قلوب الأسر المفجوعة، وجعل من هذه الفاجعة دافعًا لمراجعة مسار الحرب، وتغليب صوت الحكمة، حتى يستعيد السودان أمنه، ويعود مجتمعًا متماسكًا يحفظ الإنسان، ويصون كرامته، ويؤمن بأن أعظم استثمار هو الاستثمار في الإنسان وصناع السلام.