الإسلاميون في السودان… مشروع إقصائي عرقل بناء الدولة السودانية

✍️محمد الهادي

 

برغم تباين الروايات حول من أشعل الحرب أو من أطلق الرصاصة الأولى في ١٥ أبريل، يبقى الثابت أنما يجري الآن في السودان هو امتداداً لصراع اجتماعي وسياسي عميق الجذور، فالحرب الحالية هي حصيلة إخفاق تاريخي في إدارة التنوع العرقي والديني والثقافي داخل الدولة السودانية الحديثة، وتراكمٍ طويل لفشل النخب الحاكمة في بناء عقد اجتماعي عادل يوازن بين المركز والهامش ويعترف بتعدد الهويات، وهذا العجز عن تحويل التباينات إلى مصدر قوة ووحدة، جعل الخلافات تتراكم وتتحول مع كل أزمة سياسية إلى مواجهات مفتوحة، لتكشف الحرب الراهنة عن عمق الجراح التي لم تُعالج، وعن هشاشة بنية الدولة التي قامت على الإقصاء أكثر من المشاركة، وعلى الهيمنة أكثر من التوافق.

 

وقد تجاوز هذا الإخفاق الحدود نظرية في إدارة الدولة، إلى التأثير العميق في سياسيتها وجغرافيتها، وقد تجلّى ذلك في انفصال جنوب السودان.

 

إنفصال الجنوب.. الثمن الاكبر لصراع تاريخي، لم يحسم

 

من أبرز نتائج هذا الصراع الممتد في بنية الدولة السودانية كان انفصال جنوب السودان، الذي جاء كحصيلة منطقية لعقود من التهميش، والحروب الأهلية، وفشل المركز في الاعتراف بالتنوع الثقافي والديني والعرقي وإدارته بصورة عادلة، فمنذ الاستقلال، ظل الجنوب خارج معادلات السلطة والثروة، ويُدار بعقلية أمنية تارة، وباتفاقات جزئية تارة أخرى، دون معالجة جذور الأزمة أو منح شعوب الجنوب حقها في المشاركة وتحديد شكل الدولة، ومع تعاقب الحكومات، ظل النهج واحداً، مركز قوي يحتكر القرار، وأطراف تبحث عن الاعتراف، وفي ظل غياب مشروع وطني جامع، تراكم الإحباط والانقسام إلى أن أصبح خيار الانفصال بالنسبة لكثير من الجنوبيين مخرجاً من دولة لم تمنحهم الشعور بالانتماء ولا المساواة، وهكذا كان انفصال الجنوب، بكل خسائره وتداعياته، أحد أوضح مظاهر فشل السودانيين في بناء دولة قادرة على احتواء اختلافاتهم وصياغة عقد اجتماعي يضمن الوحدة عبر العدالة، لا عبر القوة.

 

غير أن انفصال الجنوب لا يعني أن التنوع يقود حتمًا إلى التفكك، فالتجارب المقارنة تؤكد أن المجتمعات المتعددة تستطيع الحفاظ على وحدتها متى ما امتلكت مؤسسات سياسية قادرة على إدارة الاختلاف بعدالة.

 

فوجود صراعات داخل المجتمعات المتباينة أمر طبيعي، بل هو سمة من سمات المجتمعات التي لم تكتمل فيها مؤسسات الدولة الحديثة بعد، خاصة عندما يتفاقم الفقر والمرض والجهل كما هو الحال في السودان، فالتنوع في حدّ ذاته ليس سبباً للانقسام، وإنما يصبح كذلك عندما تعجز البُنى السياسية عن احتضانه وتوظيفه، ولذا تلجأ الدول التي تشبه السودان من حيث التعقيد الاجتماعي إلى توليفات سياسية تعيد صياغة شكل الحكم وآليات المشاركة، بحيث يتحول التنوع إلى مصدر قوة بدلاً من أن يبقى وقوداً للصراع، هذه التوليفات قد تأخذ شكل لامركزية واسعة، أو فيدرالية حقيقية، أو عقد اجتماعي جديد يقوم على المساواة والاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية للمجموعات المختلفة، وعندما تتوفر الإرادة السياسية لتأسيس دولة تتسع للجميع، فإن مخرجات التنوع تنقلب من نزاعات وحروب إلى طاقة خلاقة تعزز الأمن والاستقرار وتمهّد لنهضة اقتصادية وتنموية، فالتنمية، في نهاية المطاف، ليست ممكنة في ظل دولة متصدعة، لكنها تصبح واقعاً ملموساً حين تُبنى الدولة على قاعدة العدالة، التوافق، واحترام تعدد الهويات.

 

وانطلاقاً من هذا الفهم، فقد شهد السودان خلال العقود الماضية محاولات متكررة لإعادة تأسيس الدولة على قواعد أكثر شمولاً، عبر مبادرات واتفاقيات استهدفت معالجة جذور الأزمة، إلا أن معظمها انتهى إلى الفشل.

 

من كوكادام إلى الإطاري.. الإسلاميون وعرقلة معالجة جذور الازمة

 

على امتداد تاريخ السودان السياسي، برزت سلسلة من الوثائق والاتفاقيات التي سعت إلى ابتكار توليفات سياسية تعالج جذور الأزمة البنيوية للدولة السودانية، وتعيد بناء علاقة أكثر عدلاً بين مكوّنات المجتمع، ولكن برغم اختلاف السياقات، إلا أن خيطاً مشتركاً يجمع بينها جميعاً، فكلما اقترب السودانيون من حل تاريخي شامل، كان التيار الإسلامي العقبة الأساسية أمام تطبيقه.

 

كوكادام (1986) كانت أول محاولة جادة لفتح حوار بين القوى السياسية الشمالية والحركة الشعبية حول قضايا الهوية، والدستور، وإلغاء قوانين سبتمبر، لكن الإسلاميين، الذين كانوا يخشون أي مسار يقوّض مشروعهم العقائدي، شنّوا حملة منظمة لإفشاله داخل البرلمان وخارجه. ثم جاء اتفاق الميرغني–قرنق (1988) ليضع رؤية أكثر نضجاً لوقف الحرب وعقد مؤتمر قومي دستوري، وما أن برز الاتفاق كفرصة تاريخية لإعادة صياغة الدولة على أساس المواطنة، حتى تحرك الإسلاميون سريعاً لإجهاضه عبر انقلاب 1989، الذي لم يسقط النظام الديمقراطي فحسب، بل أسقط أيضاً أكثر محاولة وطنية جدية لمعالجة جذور الأزمة. وفي الوثيقة الدستورية لعام 2019 التي جاءت بعد ثورة ديسمبر، حاول السودانيون بناء انتقال مدني يعالج تركات الماضي، لكن بقايا النظام الإسلامي، المتمثلة في نفوذهم داخل القوات النظامية، والقضاء، والبيروقراطية، عملت بشكل ممنهج على تعطيل الإصلاحات وإفراغ الوثيقة من مضمونها، مما خلق فراغاً سياسياً وأمنياً استغله الإسلاميون لإشعال الانقلاب لاحقاً. أما الاتفاق الإطاري (2022) فقد كان خطوة نحو إنهاء الانسداد السياسي وترتيب مشهد جديد عبر إصلاح القطاع الأمني والتحول المدني، إلا أن التيار الإسلامي تصدى له بضراوة، لأنه استهدف تفكيك مراكز قوتهم داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، فحرّكوا التحالفات الرافضة، وأشعلوا حملة تعبئة منظمة انتهت بالعودة إلى المربع الأول.

 

ويثير هذا التكرار سؤالاً جوهرياً: لماذا تعثرت معظم هذه المبادرات رغم اختلاف ظروفها وسياقاتها؟ وللإجابة عن ذلك، لا بد من التوقف عند البنية الفكرية للمشروع الذي تصدى لها بصورة متكررة.

 

آيدلوجيا الإسلام السياسي.. مشروع إقصائي يناقض واقع السودان المتعدد

 

إن أيديولوجيا الإسلام السياسي، بطبيعتها وبنيتها الفكرية، تقف على الضد تماماً من فكرة التنوع والتعدد التي يقوم عليها السودان تاريخاً وواقعاً، فالمشروع الإسلاموي، كما تجلّى في التجربة السودانية، يقوم على رؤية أحادية تستند إلى تصور واحد للهوية والدين والثقافة، وتتعامل مع المجتمع بوصفه كتلة يجب صهرها داخل قالب أيديولوجي واحد، وهذا التعارض الجوهري بين أيديولوجيا الإسلاميين وبين طبيعة المجتمع السوداني التعددي جعلهم دائماً في مواجهة مع فكرة السودان الواحد المتنوع، فداخل المنظومة الإسلاموية تسود عقلية إقصائية لا تعترف بالآخر المختلف، سواء كان اختلافه دينياً أو ثقافياً أو سياسياً، ولذلك ظل الإسلاميون يعارضون باستمرار كل مشروع وطني قائم على الاعتراف بالتعدد أو على إعادة توزيع السلطة بما يعكس تنوع السودانيين. كما رفضوا كل مقترح يهدف لبناء دولة مدنية تستوعب الجميع، لأن ذلك يتناقض مع مشروعهم “الحضاري” ذي الطابع الإسلاموعروبي الذي يسعى لفرض هوية واحدة على مجتمع متعدد الهويات.

 

وقد ظهرت هذه الذهنية بوضوح خلال فترة حكمهم الطويلة، حينما سعت الحركة الإسلامية إلى إعادة تشكيل الدولة وفقاً لرؤيتها العقائدية، مستخدمة أدوات القمع والإقصاء والحروب، ومتعمدة تجاهل مطالب الأقاليم المهمشة في الجنوب والشرق والغرب، فبدلاً من بناء دولة تشاركية تعترف بتعدد الثقافات واللغات والمعتقدات، اختار الإسلاميون فرض مركزية ثقافية وسياسية مستندة إلى هوية أحادية، ما أدى إلى تعميق الشرخ الوطني وإشعال النزاعات.

 

وبذلك، لا تبدو معضلة السودان مجرد أزمة حكم أو صراع على السلطة، وإنما أزمة مشروع دولة، تتنافس فيها رؤيتان متناقضتان: رؤية تقوم على التعدد والمواطنة، وأخرى تقوم على الاحتكار الأيديولوجي والهوية الأحادية.

 

وإنطلاقاً من هذا التصور، فإن جوهر الأزمة يكمن في أن مشروع الإسلام السياسي لا يرى في التنوع مصدر قوة أو أساساً لبناء دولة حديثة، بل يراه تهديداً لوحدته العقائدية، ولهذا ظلّ الإسلاميون يقاومون كل اتفاق أو وثيقة أو مبادرة تسعى لتأسيس سودان يقوم على المواطنة والتعددية، لأن ذلك يعني نهاية مشروعهم الأيديولوجي القائم على الاحتكار والهيمنة، وبالتالي، فإن تجارب كوكادام، والميرغني- قرنق، والوثيقة الدستورية، والاتفاق الإطاري، تكشف بوضوح أن فشل السودان في الوصول إلى تسوية مستدامة ليس نتيجة غياب الحلول بقدر ما هو نتاج مقاومة مستمرة من تيار أيديولوجي يمتلك قوة عسكرية وإقتصادية، يرى في التنوع خطراً وفي التعدد نقيضاً لمشروعه، ولعل التجربة السودانية تُظهر بوضوح أنه لا يمكن بناء دولة مستقرة ما لم تُهزم العقلية الأحادية، ويُفتح الطريق لمشروع وطني جامع يعترف بالتنوع ويحتضنه، بدلاً من أن يقمعه.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.