مشروع التمكين: كيف اخترقت الحركة الإسلامية الإرهابية الجيش السوداني؟ (الدفعة ٤٠ نموذجًا)
مشروع التمكين: كيف اخترقت الحركة الإسلامية الإرهابية الجيش السوداني؟
(الدفعة ٤٠ نموذجًا)
الحلقة الرابعة
يشكل انقلاب الثلاثين من يونيو ١٩٨٩ نقطة تحول في غاية السوء في تاريخ السودان الحديث. ومثل منصة الانطلاق لمشروع منهجي منظم نفذته الحركة الإسلامية بهدف السيطرة الكاملة على مؤسسات الدولة. هذا المشروع، الذي عُرف إعلاميًا باسم “مشروع التمكين” وتنظيميًا بـ “مشروع الضباط الدعاة”، استهدف اختراق جميع مفاصل الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، بوصفها صمام الأمان الأخير وأداة القوة القصوى في أي دولة.
نجح التنظيم في اختراق قوات الدعم السريع بذات المنهجية التي طبقها داخل الجيش النظامي، عبر زرع “عيون” وضباط موالين يتولون مهام التوجيه والرقابة والتأطير الأيديولوجي داخل هذه القوات.
لم يقتصر الأمر على متابعة تحركات الدعم السريع والإبلاغ عنها، بل امتد ليشمل التحكم الفعلي في مسار العمل داخل هذه القوة الموازية، وتوجيه أدوارها بما يخدم إستراتيجية التنظيم في السيطرة على المشهد العسكري والأمني.
نماذج لضباط الدفعة ٤٠ بقوات الدعم السريع
١/ اللواء ركن دياب بدر دياب: تعتبره الحركة الإسلامية من أهم الضباط المنظمين، خاصة في المهام القتالية. ووجه منذ تخرجه بضرورة التميز العملياتي وإظهار القوة لتشجيع الضباط الأصاغر، منتمين وغير منتمين. كما عمل معلمًا بالكلية الحربية، وقاتل في مناطق العمليات بجنوب السودان ودارفور، وتولى قيادة منطقة الزرق في دارفور وتولي عمليات تدريب مكثفة لقوات الدعم السريع.
ومن ثم قاد لاحقًا العمليات في منطقة وادي سيدنا والخرطوم بحري ضد قوات الدعم السريع.
٢/ العميد محمد أحمد عباس أورناصر: تم زرعه داخل قوات الدعم السريع ليتولى مهام تنظيمية وإشرافية دقيقة.
تولى أورناصر منصب مدير إدارة التدريب بقوات الدعم السريع، وهو موقع إستراتيجي بامتياز، إذ أتاح له الإشراف على تأهيل الكوادر البشرية وصقل مهاراتها، وبالتالي غرس المفاهيم والتوجيهات المطلوبة في نفوس المقاتلين، وضبط إيقاع العمل العسكري بما يتوافق مع رؤى التنظيم.
لقد مثل هذا الموقع نافذة مثالية للتوجيه غير المباشر، حيث يتحكّم فيما يتعلّمه آلاف المقاتلين، وكيف يفكرون، وكيف ينفذون العمليات.
في ديسمبر 2023، ظهر أورناصر في ورشة تدريب نظمتها اليوناميد (بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في دارفور)، حول حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي لضباط ومنسوبي الدعم السريع.
أثناء الورشة، أدلى بتصريحات إعلامية أكد فيها “استعداد قوات الدعم السريع لتحمل المسؤولية الكبيرة في حماية المواطنين بعد خروج اليوناميد من دارفور”، مشيرًا إلى “مساعي قيادة الدعم السريع لرفع قدرات قواتهم في مجال حقوق الإنسان”.
كما شدد على أن قوات سودانية خالصة (الجيش، الاستخبارات، الشرطة، والدعم السريع) ستكون مسؤولة عن حماية المواطنين، وأن ذلك يستلزم “الاعتراف بالقانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان وحماية الأطفال والمواطنين في مناطق النزاع” .
ختم تصريحاته برمزية: “نتمنى أن أي فرد في الدعم السريع يحمل رشاشه بيده اليمنى ويحمل غصن السلام بيده اليسرى… كلنا من أجل جعل السودان ينعم بالسلام والاستقرار الذي يؤدي للتنمية”.
هذه التصريحات، في سياقها، كانت جزءًا من حملة تمويه واسعة لإظهار الدعم السريع كقوة وطنية مسؤولة، بينما كانت تستعد لأكبر حرب في تاريخ السودان الحديث.
٣/ العميد حقوقي الوليد البيتي العمرابي: وهو ضابط قانوني (حقوقي) متخصص، ومقرب من قائد قوات الدعم السريع، من أبناء مدينة رفاعة بولاية الجزيرة وخريج القانون بحامعة ناصر بليبيا في التسعينيات، وعمل بإدارة القضاء العسكري وكيلاً للنيابة العسكرية، تمت تغذيته في الدعم السريع للتحكم في الجوانب القانونية والإدارية والتوجيهية، وتقديم المشورة الشرعية والقانونية التي تضفي شرعية ظاهرية على تحركات القوة، وتدير علاقاتها الإعلامية والسياسية.
كان البيتي المسؤول الأول عن السيطرة على الأجهزة العدلية والنيابة داخل الدعم السريع بسبب علاقاته الواسعة ونفوذه مع وكلاء النيابة وبعض المستشارين والقضاة. وساهم وجوده بصفته ضابطاً حقوقياً من العيار الثقيل داخل الدعم السريع، في محاولات تغيير الصورة الذهنية لهذه القوات، وعلاقاتها الدولية، ومبررات تحركاتها الميدانية.
هذا الاختراق المزدوج، عسكرياً عبر دياب وأورناصر، وقانونياً وإدارياً عبر البيتي، يؤكد أن الحركة الإسلامية الإرهابية لم تترك وجود الدعم السريع للصدفة، بل عملت على تغذية هذا الكيان بكوادرها المنظمة لضمان بقائه تحت السيطرة، حتى عندما بدا للخارج أن الدعم السريع تحول إلى قوة متمردة. وكانت هذه الكوادر بمثابة “الضامن” لاستمرار تأثير التنظيم في مجريات الأمور، سواء قبل الحرب أو أثنائها.
يتبع..
صحيح السودان