” الخرطوم بين “الفيديو” و”الواقع”… حين تُصبح الصورة أكذوبة والحقيقة صرخة “

 

كتب: معاوية أبوالريش

قرأتُ ما كتبه ذلك المواطن السوداني على فيسبوك، وقرأتُه أكثر من مرة، لأن كل سطر فيه لم يكن شكوى عابرة، بل شهادة حيّة موقّعة بألم يومي متكرر. وبينما كنتُ أقرأ، كانت شاشة هاتفي لا تزال تحمل آخر فيديو أرسله لي أخي من الخرطوم: شارع مضاء، مقهى يعج بالروّاد، وجوه مبتسمة، وتعليق مقتضب: “شوف البلد رجعت أحسن من زمان”

بين النصّين – نص المعاناة ونص الطمأنة – مسافة لا تُقاس بالكيلومترات، بل بمن يملك سلطة الكاميرا ومن يملك سلطة العيش.

صورتان لمدينة واحدة

لا أشكّك في أن أخي صادق فيما يرسله، فبعض الأحياء فعلاً استعادت أنفاسها، وبعض المطاعم فتحت أبوابها من جديد، وبعض الشوارع عاد إليها صخب الحياة. هذا حقيقي جزئياً، وتؤكده تقارير عديدة تتحدث عن عودة تدريجية لبعض الأسواق والمصانع الصغيرة، واستئناف جزء من المستشفيات لنشاطها بعد أشهر من التوقف الكامل.

لكن المشكلة ليست في صحة الصورة، بل في تعميمها. فحين تُصوَّر واجهة شارع تجاري واحد على أنها ملخّص لحال مدينة كاملة، يتحوّل التوثيق إلى تضليل، ولو لم يقصد صاحبه ذلك. الكهرباء التي لا تزال غائبة عن أحياء بأكملها لا تظهر في الفيديو، وفاتورة الخبز التي تضاعف سعرها لا تظهر في الفيديو، والمواطن الذي اختفى ثم عُثر على جثته لاحقاً لا يظهر في الفيديو أبداً.

حين تتحول “العودة الطوعية” إلى مقامرة بالمصير

الخطاب الرسمي الذي يدعو المغتربين للعودة، ويصفهم بأنهم سيجدون بلداً “آمناً ومستقراً”، يتجاهل عمداً أو عن غير قصد أن نسبة واسعة ممن عادوا فعلاً وصفوا تجربتهم بـ”العودة إلى الصفر”: ممتلكات منهوبة، وظائف مفقودة، ومدخرات استُنزفت في الغربة لتُستنزف مجدداً في مواجهة الغلاء داخل الوطن. تقارير مستقلة تشير إلى أن أكثر من نصف سكان العاصمة فقدوا وظائفهم أو مدخراتهم خلال سنوات الحرب، وأن فاتورة الغذاء وحدها تلتهم أكثر من نصف دخل الأسرة السودانية المتوسطة، في وقت يتوقع فيه صندوق النقد الدولي أن يتجاوز التضخم في السودان 55٪ خلال هذا العام.

هذه ليست أرقاماً باردة، بل هي نفس المعادلة التي وصفها صاحب المنشور حين قال إنك “لو عندك قروش ما حتقدر تشتري الخدمات الأساسية” القروش وحدها لا تكفي حين تنهار البنية التحتية، وتغيب الدولة عن أبسط وظائفها، ويتحول الأمن إلى سلعة تُشترى من عصابة بدل أن تكون حقاً يكفله القانون.

الفجوة بين من يحكم عبر الشاشة ومن يعيش في الشارع

ما أثار انتباهي أكثر في منشور ذلك المواطن هو وصفه لحكومة “تُدير البلاد عبر الفيسبوك والبيانات” هذه الجملة وحدها تختصر أزمة أعمق من انقطاع الكهرباء أو غياب الأمن: إنها أزمة إدارة قائمة على البيان الصحفي بدل الحل الفعلي، وعلى الصورة الإعلامية بدل الخدمة الحقيقية. حين تتوازى شرعية الدولة مع شرعية “الترند”، يصبح المواطن هو الخاسر الوحيد، لأنه يُطالَب بالتصفيق لإنجازات لا يلمس أثرها في حياته اليومية.

فماذا نقول لمن يفكر في العودة؟

لستُ هنا لأثبّط عزيمة أحد، فالحنين إلى الوطن حق مشروع، وقرار العودة قرار شخصي عميق لا يملك أحد أن يصادره على صاحبه. لكن الأمانة تقتضي أن يُبنى هذا القرار على معلومة كاملة لا على مقطع فيديو مُنتقى بعناية. من حق كل مغترب أن يسأل: هل استعادت المدينة خدماتها الأساسية فعلاً أم في جزء ضئيل منها؟ هل الأمن مؤسسي أم مرهون بمزاج “لجنة” أو “كتيبة”؟ هل الاقتصاد ينمو أم أنه لا يزال يحفر نحو القاع كما وصف الكاتب؟

الوطن الذي يستحق العودة إليه هو الذي تُبنى فيه القرارات على شفافية لا على دعاية، وعلى مؤسسات تخدم لا على أجهزة تجبي. وإلى أن يتحقق ذلك، يبقى السؤال الذي طرحه ذلك المواطن السوداني معلقاً في الهواء: هل نحن أمام بلد يتعافى حقاً، أم أمام صورة تعافٍ يُراد لنا أن نصدّقها؟

والله من وراء القصد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.