بنية السلطة القديمة.. القاسم المشترك بين القاهرة والإسلاميين في السودان
محمد الهادي – ٩ يوليو ٢٠٢٦
كيف يمكن لمصر، التي تخوض مواجهات مفتوحة مع الإسلاميين داخل حدودها، أن تُتهم في الوقت نفسه بالتقارب مع الإسلاميين في السودان؟ قد يبدو ذلك تناقضاً يصعب تفسيره، وتكمن المفارقة هنا في أن القاهرة، التي تعتبر الإسلام السياسي تهديداً لأمنها القومي، لم تتعامل بالمنطق نفسه مع بعض القوى الإسلامية في السودان. فعلى الرغم من سنوات القطيعة مع الحركة الإسلامية السودانية خلال عهد البشير، برزت بعد سقوط نظامه قنوات تواصل مع شخصيات ودوائر محسوبة عليها. ويبدو هذا التحول متناقضاً إذا نظرنا إليه من زاوية الأيديولوجيا، لكنه يصبح أكثر وضوحاً إذا فهمنا أن الدول تبني سياساتها الخارجية على المصالح، وحسابات النفوذ، والقدرة على التأثير في مجريات الأحداث، أكثر مما تبنيها على التقارب أو الاختلاف الفكري.
لماذا لم تعد القاهرة ترى الإسلاميين خصمها الأول في السودان؟
ما يجمع القاهرة وبعض القوى الإسلامية السودانية ليس اتفاقاً في الفكر أو المشروع السياسي، وإنما تقاطع في المصالح المرتبطة بشكل الدولة وتوازنات السلطة فيها. فقد ارتبط نفوذ الطرفين، وإن كان بدرجات مختلفة، بمؤسسات ظلت تشكل مركز الثقل في النظام السياسي السوداني، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية والدولة المركزية. فمنذ استقلال السودان عام 1956، ظل الجيش فاعلاً رئيسياً في الحياة السياسية، سواء عبر الانقلابات العسكرية أو من خلال الشراكة المباشرة في الحكم، الأمر الذي جعله أحد أهم محددات العلاقة بين الدولة السودانية ومحيطها الإقليمي.
ومن هذا المنطلق، فإن اهتمام القاهرة بالتحول السياسي في السودان لم يرتبط فقط بتغيير الحكومات أو الشخصيات الحاكمة، ولكن بإعادة تعريف طبيعة قواعد السلطة، خاصة في ما يتعلق بموقع المؤسسة العسكرية، وإصلاح مؤسسات الدولة، ومستقبل شبكات النفوذ التي نشأت حول هذه البنية تاريخياً. ولذلك فإن أي عملية انتقال تؤدي إلى إعادة تعريف دور الجيش داخل الدولة كانت تحمل، من وجهة نظر القاهرة، تداعيات على توازنات ظلت قائمة لفترة طويلة وعلى طبيعة قنوات التأثير التي بنتها مع مؤسسات الدولة السودانية، خاصة المؤسسة العسكرية.
وقد ظهرت هذه الحسابات خلال المرحلة الانتقالية، ولا سيما في موقف القاهرة من مسار الاتفاق الإطاري الموقع في ديسمبر 2022. فقد ركزت مصر على ضرورة توسيع قاعدة المشاركة السياسية والتوصل إلى توافق بين القوى السودانية، مع التأكيد على أهمية مراعاة دور المؤسسات النظامية في أي ترتيبات انتقالية. ورغم أن القاهرة لم تعلن رفضها لمبدأ الانتقال المدني، فإن تحفظاتها على بعض جوانب العملية السياسية عكست حجم قلقها من هذا التوجه، فقد يؤدي ذلك إلى تغيير جوهري في موقع المؤسسة العسكرية داخل معادلة الحكم في سودان.
لهذا، لم تعد القاهرة تتعامل مع الإسلاميين السودانيين باعتبارهم العامل الوحيد المحدد لسياستها تجاه السودان، كما هو الحال مع موقفها من الإسلاميين داخل مصر، لأن طبيعة الحسابات في السودان مختلفة. فما يحدد مقاربتها ليس فقط هوية القوى السياسية، وإنما شكل الدولة وبنية السلطة وموازين القوة داخلها. وفي هذه النقطة تحديداً ظهر التقاطع بين مصالح القاهرة وبعض القوى الإسلامية السودانية، ليس بسبب وحدة المشروع السياسي أو التوافق الأيديولوجي، وإنما لأن الطرفين وجدا نفسيهما أمام تحول سياسي يمكن أن يغير ميزان النفوذ داخل الدولة ويغيّر قواعد السلطة التي استند إليها تأثير كل منهما لسنوات طويلة.
ثلاثة عقود من الإنقاذ: كيف شكّلت المؤسسة العسكرية؟
ويعزز هذا التفسير أن القاهرة، منذ سقوط نظام البشير، اختارت التعامل مع المؤسسة العسكرية باعتبارها الشريك الرئيسي في إدارة المرحلة الانتقالية، رغم إدراكها الراسخ لحجم النفوذ الذي راكمته الحركة الإسلامية داخل القوات المسلحة خلال ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ، نتيجة سياسات الإحلال والإبدال التي انتهجها النظام السابق. ولم يكن هذا النفوذ خافياً على صانع القرار المصري، فقد جرى الإقرار به في مناسبات مختلفة عبر تصريحات رسمية وتناول وسائل الإعلام المصرية. ومع ذلك، لم يدفع هذا الإدراك القاهرة إلى الابتعاد عن المؤسسة العسكرية، لأنها رأت أن الحفاظ على الدولة المركزية وبقاء الجيش ممسكاً بمفاصل السلطة يمثل أولوية تتقدم على الاعتبارات الأيديولوجية. وهذا يكشف أن معيار تعامل القاهرة مع السودان في هذه المرحلة لم تحدده هوية القوى الموجودة داخل المؤسسة العسكرية، وإنما الحفاظ على المؤسسة نفسها باعتبارها الضامن لاستمرار بنية السلطة التقليدية، والنفوذ المصري عليها.
إصلاح الجيش أم تغيير قواعد الحكم؟ جوهر الصراع الانتقالي
وقد ظهر هذا التقاطع بوضوح خلال الجدل الذي رافق مشروع إصلاح المؤسسة العسكرية في الفترة الانتقالية. فقد كان جوهر الخلاف يدور حول مستقبل دور الجيش في الدولة: هل يبقى لاعباً سياسياً رئيسياً، أم يتحول إلى مؤسسة عسكرية تعمل تحت سلطة مدنية؟ وشملت عملية الإصلاح المقترحة إعادة هيكلة المنظومة الأمنية، ودمج القوات المختلفة في جيش وطني مهني، وهي خطوات واجهت اعتراضات من مراكز نفوذ داخل المؤسسة العسكرية وبعض القوى الإسلامية، لأنها اعتبرتها تهديداً للتوازنات التي قامت عليها السلطة لعقود. وفي هذا السياق، يعكس استمرار التواصل بين بعض الشخصيات الإسلامية السودانية ودوائر إقليمية، ومنها القاهرة، اهتماماً مشتركاً بالحفاظ على موقع المؤسسة العسكرية داخل معادلة الحكم، أكثر من كونه تقارباً أيديولوجياً.
خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام البشير عام 2019، لم يكن الصراع السياسي يدور فقط حول تشكيل الحكومة أو توزيع المناصب، إنما حول سؤال أكبر: ما شكل الدولة التي يريدها السودانيون؟ هل تكون دولة مدنية تنتقل فيها السلطة إلى مؤسسات منتخبة، أم تستمر المؤسسة العسكرية لاعباً أساسياً في إدارة الشأن السياسي؟ وفي خضم هذا الصراع، رأت قوى داخلية وإقليمية أن بقاء دور الجيش يمثل ضمانة للاستقرار، بينما اعتبرت القوى المدنية أن استمرار هذا الدور يعرقل بناء دولة ديمقراطية قائمة على مؤسسات مدنية مستقلة.
لذلك، فإن فهم العلاقة بين القاهرة وبعض القوى الإسلامية السودانية لا يبدأ بالسؤال عما إذا كان يجمعهما تقارب فكري، بل بما إذا كانت مصالحهما قد التقت عند نقطة واحدة. فالعلاقة بين الطرفين لا تقوم على تحالف أيديولوجي أو وحدة في المشروع السياسي، وإنما على تقاطع مصالح مرتبط بالحفاظ على شكل من الحكم ظل، لعقود، يقوم على مركزية الجيش والدولة. ومن هذا المنطلق، فإن جوهر الخلاف في السودان لا يتعلق فقط بمن يتولى السلطة، بل بطبيعة الدولة نفسها، ومن يملك حق إعادة تشكيلها وتحديد قواعد الحكم فيها.
السودان ساحة صراع إقليمي على شكل الدولة القادمة
ولا يتوقف هذا الصراع عند حدود الداخل السوداني، فالسودان يمثل أيضاً ساحة تتقاطع فيها مصالح إقليمية مرتبطة بالأمن والحدود والنفوذ. لذلك فإن التحول المدني الديمقراطي يُنظر إليه باعتباره تحولاً قد يعيد هندسة علاقة الدولة السودانية بمحيطها الإقليمي. ولهذا فإن المعركة الحالية في السودان قد تجاوزت مرحلة من يحكم البلاد، إلى مرحلة تشكيل الدولة نفسها: هل تستمر في إطار تقليدي يجعل المؤسسة العسكرية مركز الثقل السياسي، أم تتجه نحو بناء دولة مدنية تقوم على مؤسسات مستقلة وشرعية ديمقراطية؟
في النهاية، فإن فهم العلاقة بين القاهرة وبعض القوى الإسلامية السودانية يحتاج إلى النظر إلى المصالح التي تحكم سلوك الأطراف المختلفة. فالسودان يعيش صراعاً أعمق من مجرد التنافس على السلطة، فهو صراع بنيوي حول طبيعة الدولة نفسها، وحول ما إذا كانت ستبقى قائمة على مركزية الجيش والنخب التقليدية، أم ستتجه نحو نموذج جديد يعيد بناء مؤسساتها على أساس مدني وديمقراطي. ومن هنا يمكن فهم كثير من التقاطعات السياسية التي قد تبدو متناقضة في ظاهرها، لكنها تصبح أكثر وضوحاً عند قراءتها من زاوية النفوذ والمصلحة.