“عدا المؤتمر الوطني”.. عبارة تختصر ذاكرة شعب
“عدا المؤتمر الوطني”.. عبارة تختصر ذاكرة شعب
حسن عبد الرضي
هناك عبارات، في السياسة، تولد وتموت في يومها، وهناك عبارات تخرج من رحم التجربة الشعبية لتتحول إلى عنوان مرحلة كاملة. ومن هذا النوع الأخير جاءت العبارة التي تتردد اليوم في السودان، على ألسنة السياسيين والناشطين والإعلاميين، وفي المجالس الخاصة والعامة، وفي المنابر المحلية والإقليمية والدولية: «عدا المؤتمر الوطني».
ليست المسألة مجرد كلمات عابرة أو شعار سياسي مؤقت، وإنما هي تعبير مكثف عن تجربة تاريخية طويلة عاشها السودانيون بكل ما فيها من آمال مهدرة، وحروب ممتدة، وأزمات اقتصادية، وانقسامات اجتماعية، وانسداد في الأفق السياسي. ولذلك لم تخرج هذه العبارة من فراغ، وإنما خرجت من ذاكرة شعب لا يزال يحمل آثار عقود كاملة من الحكم الذي ارتبط في أذهان كثيرين باسم المؤتمر الوطني ومشروعه السياسي.
اللافت للنظر أن العبارة تجاوزت حدود القوى السياسية المعارضة، لتصبح جزءاً من الخطاب العام. فهي تتردد في وسائل الإعلام، وتتصدر النقاشات في منصات التواصل الاجتماعي، ويتناولها المعلقون والمحللون بوصفها مؤشراً على حجم التحول الذي أصاب الوعي السوداني. لقد أصبحت العبارة أشبه بـ”ترند” سياسي يعكس رغبة واسعة في البحث عن مستقبل مختلف، يقوم على أسس جديدة، بعيداً عن التجارب التي يراها كثير من السودانيين مسؤولة عن مآسي البلاد.
وفي مقابل هذا المزاج العام، خرج بعض المدافعين عن النظام القديم معبرين عن ضيقهم من انتشار هذه العبارة. ومن ذلك ما نُسب إلى الإعلامي ضياء الدين بلال من قوله إن عبارة «إلا المؤتمر الوطني» أو «عدا المؤتمر الوطني» تثير الاشمئزاز عند الشعب السوداني. غير أن المفارقة تكمن في أن الانتشار الواسع للعبارة نفسها يوحي بعكس ذلك؛ إذ يبدو أنها تثير لدى قطاعات كبيرة من السودانيين شعوراً بالارتياح لأنها تعبر عن موقف سياسي يرونه ضرورياً لإغلاق صفحة من صفحات التاريخ والبحث عن صفحة جديدة.
إن الأفكار السياسية لا تُهزم بالمنع، ولا تنتصر بالشعارات وحدها، وإنما يحكم عليها الناس من خلال حصيلتها العملية في حياتهم. وما نشهده اليوم هو حكم سياسي وأخلاقي يصدره قطاع واسع من السودانيين على تجربة تاريخية كاملة. ولهذا اكتسبت عبارة «عدا المؤتمر الوطني» هذه القوة الرمزية التي جعلتها تتجاوز حدود الأحزاب لتصبح جزءاً من لغة الشارع.
وربما يكون أجمل ما في هذا المشهد أن السودانيين، رغم كل ما مروا به من مآسٍ وحروب وانقسامات، ما زالوا قادرين على التعبير عن مواقفهم بوضوح، وعلى صناعة رموزهم وشعاراتهم الخاصة. فالشعوب الحية لا تنسى تجاربها، ولا تتخلى عن حقها في تقييم الماضي وهي تتطلع إلى المستقبل.
إن الفرحة الحقيقية ليست في هزيمة حزب أو انتصار آخر، وإنما في أن ينجح السودان في بناء دولة تستند إلى الحرية والديمقراطية والمساءلة وسيادة القانون، دولة لا تحتكرها جماعة، ولا يختطفها حزب، ولا تُورثها فئة لنفسها. وعندها فقط سيشعر السودانيون بأنهم طووا صفحة الصراعات العقيمة، وفتحوا صفحة الوطن الذي يتسع للجميع، تحت حكم الإرادة الشعبية الحرة.